سأصوت للقائمة المشتركة ، صوّتوا يا عرب الداخل ولا تقامروا - جواد بولس
شاهدت في الاسبوع الفائت مقابلة أجراها الصحفي رفيف دروكر على القناة 13 الاسرائيلية مع طيّار عسكري متقاعد يدعى يوئيل فلادشو، الذي كان يشغل أيضا منصب الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات الجوية في الجيش ورئيس "شركة ال عال" للطيران. تحدث هذا الشخص عن اقامته لمجموعة كبيرة تضم مئات من زملائه الضباط المتقاعدين هدفها حماية الفلسطينيين الذين يتعرضون لاعتداءات سوائب المستوطنين، خاصة في موسم قطف الزيتون الحالي. في الثاني عشر من اكتوبر الجاري، وصل يوئيل فلادشو ومجموعة من أصدقائه الضباط الى أراضي قرية دوما الفلسطينية القريبة من مدينة نابلس، حيث كان الفلسطينيون يقطفون زيتونهم وعدد من زعران المستوطنين يتعرضون لهم ويحاولون اسقاط احدى النساء المسنات على الأرض مع ما حملت. تصدى يوئيل وصحبه لهؤلاء المجرمين ونشأت مشادة بينهم، على اثرها ادّعى أحد المعتدين انهم ضربوه وسرقوا هاتفه. وصلت خلال دقائق قوات من الجيش وبعدها وصلت قوة من الشرطة والتي سارعت لاحتجاز من ؟ يوئيل، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات الجوية في جيش اسرائيل ورئيس "شركة ال عال" للطيران، ورفيق له. طلب من الاثنين الركوب في سيارة الشرطة وبعد أن ابتعدوا عن مكان الحادث أخبرهم الشرطي انهما معتقلان فوضعت الأصفاد في أيديهم وعندما وصلوا الى محطة شرطة بنيامين وضعت الأصفاد على أرجلهم ايضا وأخبروهم انهما مشتبهان بالاعتداء والسرقة. بعد اكثر من ساعتين والتحقيق معهما تدخل رفاقهما ونجحوا باخراجهما. وصف يوئيل ما حدث على أنه مسرحية مخططة باحكام ويشارك في اعدادها المستوطنون والجيش والشرطة نفسها، وأن نفس السيناريو يتكرر في جميع المواقع التي يعتدي فيها المستوطنون على الفلسطينيين ومن يحضر من الخارج لمساندتهم. وعندما سئل فلادشو عن دوافعه للقيام بهذه المهمة روى في المقابلة أن موقفه يرتبط، من بين أمور أخرى، بذاكرة عائلية مؤلمة تعود الى سنوات الثلاثين من القرن الماضي، حين قتل النازيون جده ورموا جثته في حقول القرية في منطقة بيلاروس، فظل والده يتساءل ويسأل دوما، لماذا لم يهبّ الجيران لمساعدة جده وانقاذه.
لقد استوقفتني هذه الحادثة ، لا لأنها تكشف عن موقف فردي لافت فحسب، بل لأن فلادشو وضع أمام شعبه سؤالاً يتجاوز حدود الحادثة: ماذا تعني ذاكرة المأساة إذا لم تتحول إلى مسؤولية أخلاقية؟ وما قيمة أن يتذكر الإنسان ضحايا عائلته وشعبه، إذا عجز عن رؤية ضحايا الآخرين أمام عينيه وهم يواجهون نفس الجريمة والقدر؟ إنها شهادة على حادثة من بين آلاف الحوادث التي تحدث أمام عيون العالم وامام مجتمع تتسع فيه دوائر الصمت والتبرير، ويُترك فيه الفلسطينيون وحدهم في مواجهة جرائم المستوطنين، باستثناء قلة من المناصرين الاسرائيليين والأجانب.
تفاصيل هذه الواقعة تعكس حقيقة المشهد الإسرائيلي العام، وتكشف بوضوح عن صراع شديد يتعمق داخل المجتمع الاسرائيلي، وعن سؤال لم يعد ممكناً أو مسموحا لنا، نحن المواطنين العرب في اسرائيل، تأجيله وهو: أي إسرائيل تتشكل أمام أعيننا؟ وأي نظام سياسي سوف تفرزه الانتخابات المقرر اجراؤها في الأسبوع القادم ؟ يجب أن يكون واضحا أننا لسنا مقبلين على مجرد انتقال من حكومة إلى أخرى، ولا على مواجهة سياسية تقليدية بين أحزاب تتنافس على السلطة. نحن أمام عملية سياسية حاسمة سوف تفضي الى اعادة تعريف العلاقة بين الدولة وجميع مواطنيها، وبين السلطة والقانون، وبين الأغلبية وحقوق الأقلية، وبين الفوقية القومية والمواطنة. وما يثير القلق والخوف أن القوى الفاشية التي تقود هذا الانقلاب لا تخفي رؤيتها؛ فهي تريد دولة تُختزل فيها الديمقراطية بإرادة الأغلبية اليهودية، وتُعامل فيها حقوق المواطنين العرب باعتبارها امتيازات قابلة للسحب، لا حقوقاً أصيلة.اننا مقبلين على مرحلة سنواجه فيها حقنا بالبقاء أو في أحسن الأحوال بقاؤنا سيكون خارج الشرعية و "وعاء المواطنة" مما سيبقينا واقفين "كأن الريح تحتنا" .
يخطىء من لا يستوعب حقيقة الخطر الذي يهدد وجودنا ويتصرف كأن اسرائيل التي عاملتنا بعنصرية واضطهدتنا شرطتها خلال سبعة عقود، هي نفسها اسرائيل التي تقوم شرطتها بالاعتداء على يوئيل فلادشو ورفاقه، رغم ما تمثله قصص عائلاتهم في تاريخ الشعب اليهودي المعاصر وما يمثلونه هم ، كرجالات جيش وأمن سابقين، في تاريخ اسرائيل وحروبها. لقد تنبه عدد من المفكرين والباحثين اليهود الذين حذروا، كل من موقعه وبأدواته، من المنزلق الذي تتهاوى إسرائيل نحوه. فقد رأى زئيف شترنهل، وهو أحد أبرز مؤرخي الفاشية الأوروبية، أن الفاشية هي تمرد على الموروث الإنساني والكوني الذي تقوم عليه الديمقراطية الليبرالية، وحذّر من أن الاحتلال والاستيطان يحملان في داخلهما عناصر تُهدّد الأسس الديمقراطية للمجتمع الإسرائيلي. لم يكن تحذيره مجرد تعبير أكاديمي نظري أو سجالا سياسيا مع حكومة بعينها، بل كان قراءة تاريخية واقعية لطبيعة الأفكار التي تنمو حين تتحول الفوقية القومية إلى عقيدة تنكر المساواة والحقوق الإنسانية، كما أحسها وهي تتشكل داخل المجتمع الاسرائيلي.
أما المؤرخ شلومو زاند، فقد وضع، وهو يتطرق في أعماله النقدية حول صناعة الروايات القومية والذاكرة التاريخية اليهودية، أمام الجمهور الإسرائيلي أسئلة محرجة عن الطريقة التي تُبنى بها الهوية الجماعية، وعن تحويل التاريخ إلى أداة لتبرير امتيازات سياسية وقومية. وفي نفس الوقت أعاد أڤي شلايم، في قراءته النقدية لتاريخ الصهيونية والصراع العربي الإسرائيلي، فتح ملفات ظلت طويلاً محصنة من النقد العام، وأظهر كيف يمكن للرواية القومية الرسمية أن تحجب الوقائع وتمنع المجتمع من مواجهة مسؤوليته التاريخية.
لا أستحضر ما قاله هؤلاء، وهم عيّنة من مجموعة أكبر، لأقول إنهم يقدمون برنامجاً انتخابياً لنا، بل لأن دراساتهم ونتاجهم الفكري، على اختلاف مناهجه وتوجهاته، تساهم في تفكيك المسلمات التي عشنا وعاش معظم الاسرائيليون في ظلها، وتضعنا وتضعهم أمام ما ستفضي اليه حتما هذه الصيرورة المتدحرجة بسرعة نحو الهاوية وجحيم الفاشية.
علينا أن نعي ونقر، ونحن مقبلون على معركة انتخابية حاسمة، بأن أخطر ما في المرحلة الراهنة أن هذه الأفكار الفاشية لم تعد محصورة في مجموعات هامشية أو داخل ميليشيات متطرفة وحسب، بل تفشت داخل مراكز السلطة على اختلاف مراتبها، محمية ببعص القوانين التي شرعتها حكومات نتتياهو، لا سيما الحكومة الحالية، وتبنتها مؤسسات إنفاذ القانون والخطاب السياسي اليومي. على هذه الخلفية يجب أن نقرأ الاعتداءات المتكررة على الفلسطينيين في موسم قطف الزيتون، وما يرافقها من محاولات لمنعهم من الوصول إلى أراضيهم وحرق البيوت والمساجد والمحاصيل، وسرقة المواشي وجرائم القتل والاعتداء على صحفيين ودبلوماسيين ومتطوعين إسرائيليين. ويجب ان نقرأ كل ذلك كنمط سلوكي فاشي سوف ينقله الفاشيون الى مواقعنا، داخل اسرائيل، ولنا في محاولة استيطانهم قرب مجد الكروم وفي مواقع أخرى عبرة وسوابق.
أدعو الجميع أن يشاركوا في التصويت وأن يصوتوا للقائمة المشتركة، لأن إسقاط الحكومة الحالية، أو منع قيام حكومة تستند إلى مشروعها الأيديولوجي وتعتبر أن مصير مجد الكروم يجب ان يكون كمصير غزة ودوما ومسافر يطا ، قد لا يفضي الى تحقيق ما نريده، لكنه قد يمنع تفاقم الكارثة ووقوعها، ويفتح نافذة لمواصلة النضال من موقع أقل خطورة.
تصويتنا لا يعني أننا نمنح الأحزاب العربية ثقة مطلقة، أو أننا نتنازل عن حقنا في نقدها ومحاسبتها؛ بل إن المشاركة نفسها تكفل لنا هذه الحقوق وتحافظ علينا كمجتمع يمارس أحد أهم وظائفه المتاحة في الدولة الحديثة.
لا نختار دائما في حياتنا بين طريق مضمون النجاح وآخر مضمون الفشل. فأحياناً نجد انفسنا أمام احتمالين محفوفين بالمخاطر، وعندها مواجهة الاحتمالات بالفعل هي الطريقة الأنجع والأفضل . نحن لا نقف أمام مسألة حسابية مجردة، بل نواجه جوهر مسؤولياتنا الاجتماعية والاخلاقية والسياسية.
لقد اختار يوئيل فلدشو ورفاقه ألا يكونوا متفرجين في حقل الزيتون، متذكرا ذاك الحقل الذي قتل فيه النازيون جدّه، ومعللا فعله بدرس التاريخ الأهم وهو أن التقاعس والصمت والوقوف على الحياد، في ساعة الموت الزاحف، هو أكبر الخطايا .
إن أخطر ما يمكن أن يفعله المواطن العربي في اسرائيل في هذه الأيام هو أن يقدّم مبدئيته قربانا على مذبح الفاشيين، أو أن يصاب بالكسل أو أن يترك الخوف يتحول إلى يأس، واليأس إلى مقاطعة، والمقاطعة إلى تنازل طوعي عن حقه في التأثير .
قد يراها البعض انها حيرة بين ندمين؛ فأقول: إن أصحهما هو ذاك الندم الذي سيبقي صاحبه حيا، لا جثة ملقاة في حقل المبادىء أو الدم محاطًا بالصمت.

