فيصل الحسيني، كما عرفته - جواد بولس
في الكويت ، قبل خمسة وعشرين عامًا، رحل فيصل الحسيني بهدوء سكن طبعه وهو حيّ ورافقه في كل معاركه ضد الاحتلال الاسرائيلي، تلك التي خاضها في شوارع القدس وفي ميادينها أو تلك التي أدارها وأشرف عليها داخل دهاليز السياسة وأروقة الديبلوماسية الماكرة.
في المساء اجتمعنا، صدفة، أربعة محامين كنا قد بدأنا العمل معا في الدفاع عن الأسرى الفلسطينيين، قبل أربعة عقود ونصف. لم نلتق منذ فترة طويلة؛ فزملائي الفلسطينيون الثلاثة توقفوا عن العمل أمام محاكم الاحتلال الاسرائيلي ومضوا على "طريق أوسلو" يزاولون أعمالهم كمحامين وقضاة أمام جهاز القضاء الفلسطيني الذي حلموا أن يبنوه كي يكون أول دعائم الدولة الفلسطينية الديمقراطية الموعودة. التقينا في مدينة رام الله وطوينا الساعات بين "ضحكة ودمعة وحولنا كان الليل يطوي في غلائله" تباريح شعب نازف وهموم غد سيشق أنواره من بين حطام الزمان وأوهامه.
امتصتنا الذكريات؛ فاستعدنا، بفرح طفولي، تفاصيل ذاك الزمن المبارك وأسماء صنّاعه، وانتبهنا أن معظمهم قد رحلوا عن هذه الدنيا، أو أزيحوا عن مواقعهم فيها، أو استبعدوا ولم يعد لهم دور على "مسرح العبث" الحالي. كانت وجوهنا تزهر، كلّما تذكّر أحدنا اسم أحد أولئك المناضلين، وكان يحضر مع اسمه ما أنقصته الحوادث من حكاية النضال الفلسطيني وما غاب من عزّها عن أجيال فلسطين اليوم.
كنّا نجلس في حضن الحنين والوجع عندما بادرني زميلي بشكل مفاجىء، سائلا : "لو طلبوا منك اليوم أن تختار "بطلا" فلسطينيا واحدًا ممن تعرفت اليهم، في مسيرة عملك الطويلة، وعملت الى جانبهم أو دافعت عنهم في محاكم الاحتلال، فمن سيكون بطلك، ولماذا ؟" "فيصل الحسيني"، قلت، بشكل تلقائي وعفوي، وسكتّ، وقد كان وجه فيصل الباسم شاخصًا أمامي حتى كدت أسمع أنفاسه المتعبة.
هو رجل الإجماع المطلق، لا في القدس وحسب، ولا في فلسطين، بل بين عواصم العرب جميعها وفي معظم صالونات صناع الديبلوماسية العالمية. قد تجهل أجيال هذا "الزمن المسخ" لماذا سافر فيصل الحسيني الى الكويت التي لم يرجع منها حيّا. لقد ذهب الى هناك وبذل آخر أنفاسه في محاولة، كان هو الفلسطيني الوحيد القادر على تجشمها، لرأب صدع فلسطين مع الأشقاء العرب الذي خلّفه نزق السياسة الفلسطينية الملتبسة وغوصها الخاسر في وحول حروب الاخوة الاعداء: العراق الذي ساندته حينها فلسطين، والكويت. لم تكن زيارته للكويت مفهومة ضمنا ولا سهلة ؛ فحالة استعداء قادة الكويت وشعبها لفلسطين، قيادة وشعبًا، كانت غير مسبوقة. لكنه سافر حاملا "صليب القدس" وواجه الغضب الكويتي وجها لوجه، وتحمّل صراخ واتهامات من هاجموه وقسوا عليه هناك؛ لكنه لم يستسلم، بل أصر أن يرتق خيمة فلسطين ويبني من جديد "جسر الاخوة". كان جدول أعماله في اليوم الأخير مرهقًا وشاقا، عاد في نهايته مساءً الى الفندق راضيا بما أنجز يلفه شعور أنه نجح في أداء مهمته. لكنه "رحل خفيفا" ولم ير الجسر ولا كيف تهتك جسد العروبة وتناحرت ملل الاسلام وشعوبه.
كنت رافقته في زياراته لعدة دول، عربية وأجنبية، وشاهدت كيف كان يعامله زعماء تلك الدول، العربية تحديدا، وأي احترام وتقدير استثنائيين كان ينالهما، ويبقى بالرغم من ذلك، هو ذاك الفيصل الدمث الواثق الحليم، ابن الكواكب العالية، الذي لا يعشق إلا تراب بلاده ولا يغتر بعالي القمم، إلا إذا كانت القمة تليق بشعب فلسطين أو بذاك "النسر الفلسطيني".
هو بطلي، لأنه نجح بلم شمل جميع المقدسيين تحت راية القدس الواحدة ونجح ببناء وبدعم مؤسسات المدينة الوطنية والأهلية مؤمنًا أن بدونها لن يشتد عظم المجتمع المقدسي ولن تصمد هويتها الفلسطينية أمام مكائد الاحتلال وامعانه في هزم المدينة، التي لم تستلم بعد النكسة، وانتزاعها من جغرافيا فلسطين كعاصمة لقلوبهم قبل أن تكون عاصمة وجودهم.
هو الانسان الأممي النقي قبل أن يكون عربيًا وفلسطينيا حتى النخاع؛ وهو المقدسي الدنف قبل أن يكون مسلمًا طاهر الايمان والانتماء. عشت الى جانبه ردحًا من الزمن فازددت ايمانا بأن الظالم قد يستطيع تحطيم رأس المقاوم لكنه لا يستطيع أن يحني قامة من اختار الكرامة والتضحية طريقين للحياة، كما كان يقول ويفعل ويؤمن في حياته اليومية. وتعلّمت من حكمته في فنون القيادة والمواجهة وسر البقاء دروسا وعبرا، وأولها كان ضرورة إقناع شعبك ألا يرضى بأن يكون أبناؤه عبيدا، وإلا، فمهما كنت قائدا قويًا وصارمًا، لن تقدر على مواجهة الطغاة والانتصار عليهم.
فيصل، الذي عشت معه، كان يصون الود ويحفظ الوعد والعهد. إنّه سيّد الوفاء وأميره غير المنازل. كان رقيق الطباع، ودائم الفطنة، حازمًا يأبى التسرّع وحاسمًا عادلًا ورؤوفا، ومتسامحا إلا مع أخسّاء النفوس، ومع من كانوا يخونون الوطن و"لقمة العيش" والأمانة والانتماء لشعبهم ومدينتهم، ويقولون إنها "مجرد وجهات نظر". كان للمقدسيين جميعهم أيقونة التضحيات والتواضع، والقائد النبيل الذي يعرف متى، إذا تمكّن وظفر، عفا وغفر.
كانت القدس في زمنه مدينة ذات هوية فلسطينية حصينة جامعة، آثرت تقديس عزة أهلها وكرامتهم، بقناعة، إن ديستا فلن يكون فيها كرامة لأي قائد أو نبي، ولا أمان لمساجدهم ولا لكنائسهم ولمن يأتون عتباتها.
فيصل الذي أحببته وأحبه الناس كان قائدًا "نقي الثوب" لا "يلقي سلاحه" مهما اشتدت النوائب، ونظيف اليد أمينا، عالي الجبين لا يسمح بأن يغمز جانبه كتغماز التين.
كنت أقص على زملائي فصلا من حكاية مدينة اختارت أن تبقى حرة وراء قائد تقدم الصفوف دوما في المواجهات وصدره درع مدفوع كي يحمي شعبه. كانوا يسمعون الحكاية ويعرفون مثلي أننا قد أضعنا قدس فيصل. فالقدس في زمن فيصل تحولت الى عاصمة فلسطين السياسية الحقيقية، وصار "بيت الشرق"، الذي بناه وحماه فيصل الحسيني، قبلة العالم ومأوى آمنًا لأهل البلد ووحي نضالهم ورمز صمودهم .
لقد كنت شاهدًا كيف كان فيصل يرسم معادلات "الاشتباك الموزونة" مع الاحتلال الاسرائيلي، وأهمها تلك التي تصح تسميتها معادلة "الردع المتبادل". فقد كان على الاسرائيلي أن يفهم، وفقًا لهذه المعادلة، أنه يملك قوة المحتَل وطيشه وبطشه، بيد أن الفلسطيني في القدس يملك الارادة والاصرار على رفض الاحتلال ومخططاته لضم المدينة، ويملك كذلك عزيمة لا تفل واستعدادًا للتضحية من أجل ثبات مدينتهم وسلامة كرامتهم. لو تستطيع شوارع القدس أن تتكلم لحدثتنا عن فيصل حين كان يرفع قبضته العابسة والبسمة على وجهه ويصرخ في وجوه سوائب المستوطنين وعناصر الأمن الاسرائيليين مؤكدا: " اذا كانت القدس في نشيدكم مدينة "النور والنحاس"، أو موقع هيكلكم كما في الأساطير والكتب، فهي لدينا أكثر من أرض"وجغرافيا" أو من معبد و "حوض مقدس". إنها بالنسبة لنا في مكانة الروح ومجرى الهوى و"محجر" الهوية.
لقد مدّ فيصل الحسيني "أضلعه جسرًا " ليحمي القدس من كل معتد وظالم وزنيم، فأسكنه المقدسيات والمقدسيين قلوبهم بطلا حقيقيًا وخافوا عليه من مكر الأساطير .
إنه قدوتي في التفاني وفي المروءة وفي الوفاء وفي الحب وفي الانحياز للفضيلة قبل أن يصير بطلي، وصديقي بعد أن صار قدوتي. بغيابه فقدتُ حصنا كان يحميني من الذئاب وهي تحوم حولي، وأضعت سندا كان يفسد على الحساد والمفتنين محاولاتهم لدس سمهم في كأس الوفاء ومحبتنا الخالصة.
لقد رحل فيصل في غرفة فندق في الكويت البعيدة، وأنا على قناعة بأن قصة هذا الرحيل لم تكتب بعد؛ فاليوم وأنا أكتب عنه أكاد أسمعه يقول: فتشوا عن الحقيقة في دموع القدس ولا تصدقوا إلا حدسكم ، فقدسي، التي من أجلها ضحّيت، ليست حجارة مقدسة ومعابد وقصائد وردية، بل هي القضية والهوية.

