مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

القائمة المشتركة، يريدونها نموذجًا لوطنية تقنية - جواد بولس

5.00 - (1 تقييمات)
نشرت
66
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

القائمة المشتركة، يريدونها نموذجًا لوطنية تقنية - جواد بولس

لم أكن من بين المتفائلين عندما وقّع قادة الأحزاب العربية الكبرى، في مدينة سخنين، على تعهد لإقامة القائمة المشتركة بعد انتهاء المظاهرة الحاشدة التي شارك فيها آلاف المواطنين في الثاني والعشرين من شهر يناير الماضي، احتجاجا على تفشي الجريمة والعنف في القرى والمدن العربية. لقد كتبت وقتها: "إن الشرارة التي أطلقَتها مدينة سخنين هي لحظة تكثيف لغضب شعبي متراكم دفين لم تعد صدور الناس في مجتمعنا كله قادرة على تحمله والموت ذلا وخوفًا تحت وطأته. في سخنين لم تكسر الجموع حاجز الخوف تماما، كما خُيّل للبعض من باب التلهف والتمني وتحت تأثير نشوة رومانسية؛ لم يكسر الحاجز، لكنه تعرّى مسخًا، فوقفت الحناجر على تخومه متأهبة ومعلنة استعدادها لمواجهته والتخلص منه. لقد اندفعت الناس الى "ساحات البلد" في محاولة أخيرة ويائسة لاستعادة "الهيبة والقلعة"، وتحقق، كما شاهدنا، ما كان يبدو مستحيلا: حضَرت قيادات الأحزاب والحركات والتحقت وهي أسيرة مشهد صاغته إرادة الناس العفوية. سارت الأحداث بسرعة غير محسوبة وبلحظات "أوفوريا وطنية" لامست حد السذاجة، حاصر المتظاهرون قادة الأحزاب الأربعة وأجبروهم على اعلان وحدتهم ضمن اطار القائمة المشتركة. لقد شعر الناس بأن وحدتهم هي مبتدأ الخروج من قوقعة الخوف، والانتقال الى مرحلة المواجهة. وشعرَت القيادات بأن وحدتها هي مطلب الساحة والساعة من أجل المواجهة". لقد كان واضحًا أن فورة العواطف الشعبية قد تكون محرجة لبعض القيادات، كما حصل بالفعل، لكنها غير كافية لضبطهم ولضمان ايفائهم بما وقّعوا، خاصة وقد كان بعضهم يروّج لمبدأ "درء المفاسد" ويؤمن بقاعدة الضعفاء الكبرى "بوس الكلب من تمه لتاخد حاجتك منه". أربعة شهور انقضت ولم تنجح الأحزاب الأربعة - "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" و"الحركة الاسلامية الجنوبية" و"حزب التجمع الوطني الديمقراطي" و"الحركة العربية للتغيير" - بتذليل العقبات والاعلان عن اقامة القائمة المشتركة؛ لا بل قرأنا أن الاجتماع الأخير بينهم، الذي انعقد في مدينة سخنين نفسها، انفضّ على خلاف كبير بينهم تمحور حول ورقة سياسية طرحها رئيس القائمة الموحدة د. منصور عباس وطالب أن تكون ضمن اتفاق الشراكة، وعرَضها بأسلوب "ترامبي"، أي الطرف الأقوى، حين قال  لشركائه المفترضين:  هذا ما لدينا فـ "take it or leave it " أو كما قالت العرب "يا بتحط يا بتنط". لقد قلت مرّة اننا

لا نستطيع التكهن كيف ستنتهي عملية المفاوضات بين الاحزاب الاربعة وهل ما زالت حظوظ اقامة القائمة المشتركة قائمة، أم أن احتمال خوض الانتخابات بقائمتين هو الأرجح ؟ فالحركة الاسلامية الجنوبية، وهي المركب الأقوى والأبرز في القائمة الموحدة، ستؤثر خوض الانتخابات وحدها كيما تكون لها حرية التصرف والانضمام للحكومة القادمة، كما يعلن ويصرح علنا رئيسها عباس، ومقابلهم قائمة مشتركة من الاحزاب الثلاثة المتبقية. 

وللتذكير فقط،  فإن القائمة المشتركة الأولى قد تشكّلت عام 2015  وكان تشكيلها بدافع الضرورة لا الرغبة، بعد رفع نسبة الحسم في الكنيست، بقرار اسرائيلي، هدف في ظاهره إلى تقليص عدد الأحزاب الصغيرة، وفي باطنه إلى تقليص التمثيل العربي أو على الأقل تشتيته. لكنّ تلك الخطوة الاسرائيلية الماكرة انقلبت، في حينه، على مخطّطيها، وفرضت على قيادات الأحزاب العربية التفتيش عن صيغة عمل سياسي تطيل أعمار أحزابهم وتتيح للمواطنين العرب مظلة واحدة تعطي لأصواتهم وزنا مضاعفا وقادرا على التأثير الفعلي، لا الهامشي، في المشهد الإسرائيلي العام. في تلك السنوات، اكتسبت المشتركة زخماً غير مسبوق، وصارت رمزًا لوحدة فلسطينية صغيرة وهامة؛ وفي الوقت ذاته وضعت الشركاء أمام امتحان يومي وتحديات تتحرش بقدراتهم على التعايش الممكن بين تيارات لم تتقاطع إلا نادرًا في الفكر أو في البرامج الحزبية. لقد نجحت المشتركة، في بداياتها، أن تفرض نفسها لاعبًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، خصوصًا بعد أن أصبحت ثالث أكبر كتلة برلمانية في الكنيست؛ لكن النجاح العددي لم يؤمّن لها بالضرورة نجاحًا سياسيًا؛ وبعد فترة من الوفاق المضطرب بين مركباتها، ومع شروع مخططي الاجماع الصهيوني في زرع الأسافين بين الفرقاء من جهة، وامتثال أحزاب المشتركة الى أجندات حزبية ضيقة أو انصياع بعضهم لولاءات أجنبية، أصبح تفكك المشتركة احتمالا وشيكا وواقعيا؛ وهو ما حصل فعلا.

لم يكن تفكك القائمة المشتركة حدثًا مفاجئًا وغير متوقع، ولن تكفي هذه العجالة للحديث عن أسباب فشلها وكيف تعاملت الأحزاب والحركات السياسية بعد تفككها؛ او عمّا بذلوا في سبيل ترميم "المزاج الشعبي العام" ومواجهة ما كان يخيف المواطنين ويدفعهم نحو مشاعر التيه واليأس وفقدان الأمل، واللجوء، كما هو متوقع، الى حضن الأسرلة الموهِمة، أو إلى راحة التديّن والتشبث بالغيب وبوعوده، بعد أن فقدوا الثقة بداية بالدولة وبمؤسساتها، وبعدها بحصانة المجتمع وبمن كان يفترض أن يقودوه ويؤمّنوا لأفراده العيش الكريم الآمن.

لقد كانت الحركة الاسلامية، بشقيها الشمالي والجنوبي، أقوى الحركات التي شخّصت الوضع واستغلته؛ فحين تكشفت عناصر الأزمة التي تعصف بأواصر المجتمع العربي وبانت مخاطرها الحقيقية، وبعد أن اتضحت بواطن الضعف والعجز داخل بنى التيارين العلمانيين الناشطين بين المواطنين العربي، وأقصد الجبهة الديمقراطية ومركبها الأساسي الحزب الشيوعي الاسرائيلي، والتيار القومي ممثلا بالأساس بحزب التجمع، تقدمت الحركة الإسلامية الجنوبية لتأخذ دور الريادة بين المواطنين، خاصة بعد أن حظرت اسرائيل نشاط الحركة الاسلامية الشمالية وأعلنت انها حركة خارجة عن القانون. 

لم يكن صعبًا على قادة الحركة الاسلامية الجنوبية تطوير مفهوم "المواطنة الذرائعية" واقناع الناس بضرورة الاستفادة مما تتيحه ديمقراطية الدولة لمواطنيها العرب، فكل البدائل الأخرى، هكذا يسوّق قادة هذه الحركة، غير مجدية، ولن تدرأ عنهم المفاسد مقابل بعض المرابح التي قد يؤمنوها لهم، حتى لو على حساب تماهي قادتها مع دولة القومية اليهودية، ومشاركتهم في حكومة الحرب والاحتلال وتشكيل نمط "المواطن المسلم الاسرائيلي" وتسويقه بذرائع فقهيه وديماغوغية، وهو الذي على ما يبدو سينجح بعد ان فشلت اسرائيل عبر السنين ببناء نمط المواطن العرب-اسرائيلي.

في الواقع لا جديد في ساحة السياسة العربية المحلية داخل إسرائيل، إلا فيما يخص موقف حزب التجمع الجديد؛ فالجبهة الديمقراطية ومعها الحزب الشيوعي ماضية في تقوقعها التنظيمي والسياسي وخسارتها البطيئة، ولكن الواضحة، لموقع الحزب المتصدر للمشهد السياسي داخل المجتمع العربي وأبعد منه، والحركة الاسلامية ماضية في بناء مشروعها الاسلامي وفق مفاهيمها وعقيدتها، والحركة العربية للتغيير ماضية لضمان مقعديها النيابيين في الكنيست في أي قائمة مشتركة ستقوم. أما جديد حزب التجمع الوطني الديمقراطي فهو انقلابه على مواقفه التقليدية حول مفهومه للوحدة، وقبوله السريع لطرح فكرة منصور عباس بتشكيل "قائمة مشتركة تقنية" وحماس قادة التجمع لشرح منافع هذه الفكرة والدفاع عنها وعن ايجابية "التقنية" التي لم يكن لها معنى الا موافقتهم المسبقة لعباس لدخول الحكومة الاسرائيلية بعد الانتخابات. والجديد كذلك ان التجمع، رغم ما يعلنه منصور عباس ورغم اسلوب تعامله مع زملائه، ما زال يصر على الإئتلاف معه، ويفضله كما يفهم من تصريح رئيس التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة أمس لراديو الناس اذ أكد "ان التجمع ما زال متمسكا بخيار القائمة المشتركة بأحزابها الأربعة" معتبرا "أن المصلحة الوطنية تقتضي مواصلة الجهود حتى اللحظة الأخيرة". ويبقى السؤال عن أية وطنية نتحدث في هذا السياق ؟ هل هي وطنية محلية أم مستوردة ؟ وهل يا ترى عرفت السياسة نمطًا من وطنية تقنية، فوطنية الحركة الاسلامية كانت وستبقى اسلاميتها المعلنة، وهم بذلك صادقون.

لقد قلت في الماضي وأكرر اليوم، ان الحركة الاسلامية لم تكن  لتُقدم لو كان لهذه الأحزاب قوة ولو بقيت لها هيبتها.

ويبقى الغد لناظريه قريب.

      

 

66
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل