مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

لا لتديين السياسة، صرخة واحدة لا صرختان - جواد بولس

0.00 - (0 تقييمات)
نشرت
64
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

لا لتديين السياسة، صرخة واحدة لا صرختان - جواد بولس

عندما قرأت، قبل مدة، كتاب "أيامي مع جورج طرابيشي - اللحظة الآتية"، تحيّنت فرصة للعودة اليه من باب الافتتان بما كتبته زوجته الأديبة هنرييت عبودي عن حياة هذا الرجل، المفكر الناقد، المميز، خاصة فيما يرتبط بما سببه له الاسم جورج وكونه مواطنا عربيا سوريا مسيحيا، خاض، منذ فترة شبابه، في مطلع خمسينيات القرن الماضي، تجارب ومعارك وسجالات فريدة ومثيرة في شؤون الأمة والعروبة والفكر. ولقد كان أشهرها مشروعه الموسوعي تحت عنوان عريض "نقد نقد العقل العربي" وهو سجاله الفكري مع المفكر محمد عابد الجابري صاحب المشروع الفكري "نقد العقل العربي". أعود الى الكتاب لأقرأ كيف فقد جورج طرابيشي ايمانه بالعروبة بعد هزيمة حزيران 1967 والردة التي حلت بالعرب، وبدأ يؤمن أن "الدين حلّ محل القومية". وبعدما تفجرت أحداث "الربيع العربي" في الدول العربية لاسقاط الانظمة التزم الصمت بعد أن قال: "سوف نزغرد فرحًا ساعة سقوطها، ونذرف الدمع على ما سيحل مكانها". مرت السنون ورحل جورج طرابيشي عام 2016 في فرنسا. بكى العرب ربيعهم وبكينا نحن في فلسطين جميع فصول السنة ومضينا نفتش عن عقل سويّ يدلنا إلى درب النجاة.   

تذكرت طرابيشي حين طلعت علينا في الآونة الأخيرة بعض الأصوات التي تدعو المواطنين العرب المسيحيين في إسرائيل، إلى إقامة حزب مسيحي يخوض الانتخابات المقبلة للكنيست؛ وحجة أولئك أن من واجبهم أن يصنعوا مستقبلهم بأنفسهم وأن يدافعوا عن مصالح المسيحيين، لا سيّما "أنّ الرب وهب البشر عقلًا وحكمة كي يتصرفوا بمسؤولية ازاء حاضرهم وإزاء مستقبل أولادهم" كما نُشر عنهم مؤخرًا.

ليست هذه المرة الأولى التي أُطلقَت فيها مثل هذه الدعوات الانعزالية؛ فكلما راحت الأزمات تشتد داخل مجتمعاتنا المحلية، أو كلما وقفنا على مفترق من التحدّيات التي تنذر بالأسوأ وبانعدام الحيلة وانسداد دروب المواجهة أو الخلاص، كانت هذه الأصوات تندفع لتنادي تارة بضرورة تجنيد الشباب العربي المسيحي لجيش الاحتلال الاسرائيلي وتارة بضرورة اقامة حزب مسيحي؛ فالانضمام للجيش، ادّعي هؤلاء، يشكّل ضمانة لحماية وجود المواطنين العرب المسيحيين في إسرائيل، واقامة الحزب المسيحي يكفل لهم تمثيلًا آمنًا ومجزيا داخل الكنيست.

كلا الإدعائين باطل، ولسوف يرفضهما الناس كما رفضوا جميع المحاولات الشبيهة السابقة وما أكثرها؛ فتاريخ المواطنين العرب في إسرائيل، منذ النكبة وحتى أيامنا هذه، حافل بمحاولات متكررة لسلخ المواطنين العرب المسيحيين عن هويتهم الفلسطينية وزجّهم تحت عباءات طائفية وعمامات ملّية، من شأنها أن تبقيهم خارج معادلات الانتماء الصحيحة، كأبناء شعب واحد، يواجهون ما يواجهه باقي أجزاء هذا الشعب داخل اسرائيل وخارجها.

لقد اعتمدت السلطات منذ اليوم الأول لقيام اسرائيل سياسة التشظية الدينية، وسخّرت، في سبيل انجاح هذه السياسة وتكريسها، جملة من الأساليب الترغيبية والترهيبية، والوسائل والآليات، القانونية والادارية، ومن ضمنها الاستعانة ببعض أعوان السلطة العرب المسيحيين الذين قبلوا، مندفعين وراء أحلامهم أو أوهامهم أو مصالحهم الضيقة، القيام بمهمة الترويج لهذه السياسة وزرع أسافين الفتن الطائفية ونشر مبدأ "فرّق تسد". لقد حفظت الذاكرة، رغم أعدادهم الكثيرة، أسماء أولئك "المسيحيين الطيّبين" وسجّل التاريخ فشل محاولات المؤسسة الحاكمة البائسة، وأسقط، في الوقت نفسه، أسماء جميع أولئك المتعاونين أو الحالمين، من سجلاته الخالدة.

لست بصدد تنقيح أسباب فشل الداعين الى الانعزالية المسيحية في مواقعنا وفشلهم تاريخيًا في شرعنة انخراط الشباب في التجنيد العسكري الطوعي؛ ولكن، سواء اتفقنا حول تلك الأسباب أم لم نتفق، سيبقى موقف ووعي المواطنين العرب المسيحيين وقياداتهم الروحية والاجتماعية والسياسية، هو الأبرز بين هذه العوامل وأهمها، خاصة إذا تذكرنا أن المسيحيين العرب داخل إسرائيل هم أقلية دينية داخل أقلية قومية فيها الأكثرية الدينية مسلمة؛ وهو وضع كان من الممكن أن يسمح للجوء هذه الأقلية الى حضن الدولة الأم، مثلما لجأ المسيحيون لحضن الدولة في الاردن وفي سوريا مثلا، لو كانت اسرائيل فعلا دولة جميع مواطنيها، لا دولة عنصرية تؤمن مؤسساتها وأكثرية مجتمعها بالفوقية اليهودية التي تستدني كل من ليسوا يهودا، أكانوا من الأكثرية المسلمة أم من المسيحيين أم من الدروز

باعتقادي ان لدعوات الانضمام لحزب مسيحي دوافع مؤسسية طائفية لن تجد استجابة شعبية واسعة بين المواطنين المسيحيين أو من قبل اكليروسات الكنائس والمؤسسات الشعبية والتمثيلية المسيحية في البلاد. ولن يدعم هؤلاء أي محاولة لسلخ المسيحيين عن هويتهم الوطنية الأصيلة الراسخة، لصالح تشكيل هوية "المسيحي-الاسرائيلي"، على ما سيعنيه هذا إن حصل. أقول ذلك وأعرف أن الرهان على المحافظة على الوضع القائم هو ضرب من ضروب المستحيل؛ فنحن، المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل، نعيش على أصداء ما يحدث في الدول حولنا وفي ظروف داخلية متقلبة، ووفق معطيات كثيرة متغيّرة للأسوأ، وعلى أنقاض مسلّمات قد قوّضت. ويكفي أن أبدأ بالتذكير بأن نسبة العرب المسيحيين داخل اسرائيل قد تناقصت بشكل مفجع وموجع ومخيف، وهو عامل قد يفضي إلى "ذوبان" من سيبقون، في تشكيلات اجتماعية وسياسية "سائلة" وهجينة. وإذا أضفنا لذلك ضعف دور الأحزاب والحركات الوطنية السياسية التاريخية، والمؤسسات الاجتماعية التقدمية، وانهيار معظم الكوابح الوقائية الاجتماعية، ومنظومة القيم التي سادت وحافظت على لحمة المجتمع وحصانته وزودت أعضاءه بمشاعر الأمن والطمأنينة والكرامة؛ إذا أضفنا كل ذلك، سنفهم لماذا بدأت ظواهر لجوء بعض الشباب للانخراط في عالم الجريمة أو ضمن مؤسسات الدولة ومقدّمي خدماتها، ومن ضمنها الجيش وأجهزة الشرطة وحرس الحدود، أو على الطرف النقيض، رجوعهم إلى أحضان الدين والعصبية الدينية، مسيحيين ومسلمين على حد سواء. فهل سيتحقق، ضمن هذه المتغيّرات "كابوس" تكوين المواطن المسيحي-الاسرائيلي، وأمامنا تتداعى بصورة مقلقة تجربة لافتة ومقلقة تقودها الحركة الاسلامية، بقيادة منصور عباس، وترخي بظلالها على مجمل النشاط السياسي داخل المجتمع العربي. فإذا كان للمواطن المسلم في اسرائيل - يقول لسان حال المواطن القلق أو المسيحي العادي - حق بأن ينتمي الى حركة اسلامية سياسية تسعى لتحقيق مشروعها الإسلامي وتخوض انتخابات الكنيست ببرنامج يعتمد الذرائعية وسيلة لارتباطها التام بشرايين الدولة الصهيونية وبحبل سرتها، الحكومة العتيدة، فلماذا لا يحق للمواطن المسيحي ذي النوايا السليمة أن يقيم أو أن ينتمي لحركة مسيحية تسعى لحماية مصالح أتباعها المسيحيين؟

لقد سأل صاحب دكان مجاور لبيت جورج طرابيشي الشاب في حلب عن مشاريعه الدراسية فأوضح له جورج أنه ينوي التخصص في الأدب العربي، فعلق الجار ساخرا "أنت مسيحي؛ فما دخلك باللغة العربية وآدابها؟" فاستشاط جورج غضبا ومضى ينهل من بحور اللغة وآدابها. أما محمد عابد الجابري عندما سألوه لماذا لن يرد على ما كتبه جورج طرابيشي، قال "وما علاقة هذا المسيحي وثقافة الاسلام"؟ - روت هنرييت في الكتاب المذكور. حزن جورج كثيرا ومات متألمًا من هذه الاجابة 'غير اللائقة' إن لم نقل أكثر من ذلك.

فهل يحق لي اليوم أن أتساءل حول أي قضية من قضايا الأمة، أم علي أن أكتفي بتسجيل موقفي ضد اقامة حركة أو حزب سياسي مسيحي، وأترك شأن الحركات الاسلامية للمسلمين ؟ طبعا لن أرضى، لا سيّما بعد أن صمتت بيننا طلائع اللاطائفيين والعقلاء والمثقفين عن هذه المسألة وتداعياتها، ولم يتخذوا موقفًا من قضية اقحام الدين السياسي بين المواطنين العرب أولا، ولا من شرعنة العمل والتعاون مع حركة دينية اسلامية رغم هرولتها للارتماء بحضن حكومة اسرائيل ثانيا . أقول لا لحزب مسيحي الغاية من ورائه زرع الفرقة والفتنة بين أبناء الشعب الواحد، وأقول لا لشرعنة تديين السياسة، ولا لأي حركة تعمل على تسييس الدين بيننا وتفريقنا وفق هوياتنا الدينية أو الطائفية. وليبق الطريق طريق الشاعر القروي الذي قال: "سلامٌ على دين يوحّد بيننا .. وأهلا وسهلا بعدَهُ بجهنّمِ"! 

64
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل