مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

أقبح من عالم بدون عيد العمال - جواد بولس

5.00 - (1 تقييمات)
نشرت
78
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

أقبح من عالم بدون عيد العمال - جواد بولس

ولدتُ، قبل سبعين عامًا، في قرية جليلية صغيرة وجميلة اسمها كفرياسيف. لن أحدّثكم طويلًا عن قريتي التي أطلق عليها الناس اسم "قلعة الأحرار" وحبيبة "شعراء الهوية والانتماء" الذين كانوا يتوافدون اليها، كفرسان أضاعوا، بعد النكبة، دروعهم، وكانت تحتضنهم بإباء وباصرار، رغم أنف الحكم العسكري الاسرائيلي. كانوا يجيئونها مما تبقى من جهات وطن ضاعت بوصلته وروحه، فيجدون فيها دفء القلب وأمن المرسى، ويوفونها بدورهم حبا بحب وقد "أسرى بهم كرم الجليل فأقبلوا فكأن ليلتهم هي الاسراء". هكذا أنشد الراحل راشد حسين في رائعته "اليوم جئت وكلنا سجناء" التي ألقاها سنة 1958 في "ساحة البلد" في أحد المهرجانات التي كانت تحتضنها كفرياسيف بمناسبة عيد العمال العالمي الذي يحل في الأول من أيار/مايو من كل عام.

تعيدني الذاكرة اليوم، في الأول من مايو/أيار، إلى ذلك الزمن الذي لم يكن الاحتفال فيه "بعيد العمال" مجرد غنيمة بيوم عطلة من العمل، أو مناسبة عارضة في تقويم يحفل بشتى المناسبات، بل كان الاحتفال مرجلا تصهر خلاله قيم الكدح والعطاء وتزرع معاني الصمود والبقاء. كانت شوارع كفرياسيف، هكذا أتذكر، تتحول الى شرايين عملاقة تنساب منها وفود القرى المجاورة بوجوه لم يقو القهر على أنفة سمرتها، وبسواعد "تسل رغيف الخبز والأثواب والدفتر من الصخر" وبحناجر كانت تصرخ في وجه كل عنصري وظالم "لا نتوسل الصدقات من بابك، ولا نصغر أمام بلاط أعتابك". كانوا يتوافدون كالموج، رافعين راياتهم الحمراء والشمس فوقهم مظلة وتحت اقدامهم كانت الأرض وطنًا.

في "سنوات التكوين" التي تلت عام النكبة وما أعقبها من عقود اتّسمت ببشائر المدّين، القومي واليساري الاشتراكي، كان يطل أيار على القرى والمدن العربية، بهمّة مميزة، فتمتزج فيه صرخة العمال بكبرياء الفلاحين، الذين كانوا أكثرية من نجوا من التهجير أو الهجرة. وكان الشعراء، على طبقاتهم، ينسجون، على وقع مناجلهم ومطارقهم، قوافي قصائدهم؛ أمّا قيادات ذلك العصر فكانت من خمائر قد أضاعها هذا الزمن.

 لم يكن أيار، في تلك السنين، مجرد مناسبة للمطالبة برغيف الخبز وبالدفاع عن كرامة وحقوق كل العمال وكل الكادحين وحسب، بل كان يوما من أيام "الحرية الحمراء" فيه يرفع أبناء الأقلية الفلسطينية الباقين على أرضهم بيانهم السياسي مؤكدين على حقهم بالبقاء وبالحياة الكريمة، واصرارهم على مواجهة سياسات الاضطهاد العنصري والتهميش، ورفضهم لمشاريع هندستهم وفق مخططات صهيونية ترمي لإغراقهم في بحور من العدمية القومية وتحت نير خنوع انساني عرقي مهين.  لقد كان عيدًا للأرض وللذين يحافظون على عرشها، ولا دخل للسماء فيه ولا لخدّامها.

لقد شكّلت مظاهرات الأول من أيار التي شهدتها شوارع الناصرة وبعض القرى العربية "الحمراء"، كما درجت العامة على وصفها، مدارس ميدانية تخرجت منها أجيال من الشباب الذين رأوا في راياتها وفي شعاراتها الأممية والوطنية جسرا يصلهم، كأقلية تواجه القمع والمحاصرة والتهميش داخل اسرائيل، بحركات التحرّر العالمية وبمعسكر الاشتراكية القوي الكبير. لم يكن كل من شارك في مظاهرات الأول من أيار مدفوعا بوعي بروليتاري ناضج ومتكامل، بل كانت المشاعر القومية العروبية رافدا هامًا في تحميس قطاعات واسعة منهم، مما ساهم عمليا في تأثيث وعي وهوية جمعيين. لقد كانت تلك المظاهرات والمهرجانات بالنسبة للكثيرين من "عامة الشعب" عبارة عن لحظات لتجلي هوية مكبوتة تبحث عن مخرج ينقذها من "الغيتو" ويحرر صاحبها من نفسيته المأزومة والمنكوبة.

لقد سطرت الجماهير العربية في اسرائيل أجمل معاركها النضالية خلال الاحتفالات بعيد العمال؛ وكانت أحداث مدينة الناصرة التي وقعت عام 1958، على سبيل المثال، نموذجا لتلك المواجهات العنيفة مع الشرطة الاسرائيلية، وشاهدا على كيف استوعبت جموع المواطنين كون العدو الطبقي هو ذاته الحاكم  العسكري والحكومة الاسرائيلية. تعكس أحداث ذلك العام، في الناصرة وفي قرى عربية عديدة، صورة أيقونة نضالية فريدة، طبقية وقومية، لم تكن قسمتها على اثنين ممكنة.    

مرت السنون وتغيّرت أحوال الناس والعالم كله، وتأثر مجتمعنا بجملة تلك المتغيرات التي أدّت، فيما أدّت إليه، إلى تراجع مكانة "عيد العمال" أو حتى الى اختفائه كليًا من مواقعنا. لن أعدد في هذه العجالة جميع الأسباب التي كانت وراء ما حصل، ولكن انهيار مكانة الأديولوجيات الكبرى كان من أهمها وسببا في نشوء النظام النيوليبرالي الذي قوّض أسس التعريفات الطبقية التقليدية والوشائج التي كانت تحدد مصالحها. انه النظام العالمي الجديد الذي عزز  نزعات البشر الفردانية ونشوء المجتمعات الاستهلاكية، وأدّى الى فقدان قدرة المؤسسات الحزبية والسياسية على تأطير الناس وتجنيدهم.  

كان عيد العمال شاهدا على وجود حالة اجتماعية جماعية ناضجة وهوية سياسية واعية داخل مجتمعنا العربي المحلي؛ وفي نفس الوقت كان الاحتفال به وما رافقه من رسائل سياسية واجتماعية تعبوية، حتى بالنسبة لمن لم يشاركوا في أحداثه، عاملًا ، على الصعيدين الطبقي والقومي، في تمتين أواصر تلك الهوية والمحافظة عليها. لقد كانت العلاقة بين مناسبة العيد ونتائجه تبادلية، وعندما تضعضعت هذه العلاقة نشأت الفرص للتحولات الكبرى، وأهمها  الخلخلة، التي حصلت في بنية الهوية الجامعة وتشرذمها الى هويات طائفية وعائلية، نجحت في تفتيت النسيج الإجتماعي والسياسي، وأدت الى نشوء تيارات دينية ومدنية جديدة، أو تعزيز تيارات كانت هامشية، لا تؤمن بالصراعات الطبقية ولا بالهويات الوطنية والنضالات على أساسها.  

تحل اليوم ذكرى "عيد العمال" ولا نرى الاحتفالات التي كنا نشاهدها طيلة عقود في شوارع قرانا ومدننا العربية. مقلق "اختفاء" هذا العيد، لأن غيابه يدلّ على فقدان أحد أهم كوابح مجتمعنا القيمية المانعة وعلى غياب دور القيادات السياسية الوطنية وفشلها في حماية المجتمع والدفاع عن حقوق شرائحه الضعيفة والمستضعفة. وهو "اختفاء" قد أخفى معه "ساحات البلد"، التي احتلها "الزعران" واستبدلوا فيها رايات الحرية الحمراء بعصي الترهيب والفوضى وبيافطات الجريمة السوداء.

لقد وقف راشد حسين، يوم كان للشعر وللشعراء وظيفة واحترام ، في ساحة كفرياسيف، ساحة الأول من أيار وصرخ: "اليوم جئت وكلنا سجناء، فمتى أعود وكلنا طلقاء". وقتها كان جميع المواطنين العرب يعيشون تحت حكم إسرائيل العسكري، ولكن، بالرغم من ذلك، نجحت كفرياسيف وأخواتها، القرى والمدن العربية، من صياغة هويتها الواثقة والقادرة على الجمع بين الأممي والطبقي والوطني، وبين الخبز والكرامة والمصلحة وبين الحرية والمصلحة. وقتها أرادوا لقرانا أن تبقى قرى "عزلاء منسية، شوارعها بلا أسماء" ففشلوا، وتحررت قرانا وصار عندنا عيد نحتفي به في الأول من كل أيار ؛ وعندما كبرنا اختفى العيد وأصبحنا من جديد "كلنا سجناء" وبقيت أمنية الشاعر تفتش عن صاحبها، في ساحة ذاك البلد وعن جواب: فمتى نعود وكلنا طلقاء!     

78
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل