يوم صارت حياة الفلسطيني "أخس من ورقة في فم جرادة" - جواد بولس
احتفى الفلسطينيون في الاسبوع الماضي بيوم الأسير الفلسطيني؛ وهي الذكرى التي يؤكد فيها شعب فلسطين وفاءه لأبنائه الذين ناضلوا خلال العقود الماضية، وما زالوا يناضلون ضد الاحتلال الاسرائيلي، وسجنوا وضحوا بحرياتهم، وبحيواتهم أحيانا، في سبيل تحقيق مشروع التحرر الوطني الفلسطيني واقامة دولتهم المستقلة.
يأتي يوم الأسير الفلسطيني هذا العام في واحدة من أكثر المراحل قسوة وخطورة على الحركة الأسيرة وفي ظروف لم تعد فيها سجون الاحتلال الاسرائيلي مجرد أماكن للأسر وللاحتجاز، بل "مختبرات" تُعدّها حكومة اسرائيل المتطرفة لتنفيذ أشكال غير مسبوقة من السيطرة والقمع، الكفيلين بانتزاع مشاعل الأمل التي تضيء عتمة الزنازين وتنير للأسرى دروب الصبر والكرامة. لقد حوّلت حكومات إسرائيل في السنوات الأخيرة السجون إلى معاقل للتعذيب والحرمان بهدف كسر إرادة الأسرى الصامدين في أبرز جبهة صمود فلسطينية حافظت على كيانيّتها المشتبكة مع الاحتلال طيلة العقود الماضية؛ فعملية اعتقال الفلسطينيين والزج بهم وراء القضبان لم تعد تهدف إلى معاقبتهم كما كانت في الماضي وحسب، بل تجاوزتها الى اعادة تعريف وظيف السجن نفسه: من مؤسسة تأوي المحكومين وتخضع، لو شكليا، لقواعد وأنظمة قانونية تحافظ على توازن هش بين ضرورات تنفيذ العقوبة وردع الأسرى "الجناة" من جهة، واحترام كرامة الانسان، ولو بحدها الأساسي والأدنى، وسلامة حياته في كل الظروف، الى أداة شريكة مع سائر مؤسسات الدولة ومنظوماتها الادارية التي لم يعد يردعها لا القوانين الدولية ولا قوانين اسرائيل ذاتها، في حربها ضد الفلسطينيين على جميع الجبهات: غزة والضفة المحتلة وداخل السجون. أما وظيفة السجان، وفق المفهوم الجديد، فقد تحول من حارس للعدل وخادمه إلى أداة لتنفيذ الجريمة أو شاهد متواطىء معها.
لقد شهد العالم كله جرائم الحرب التي نفّذتها آلة الحرب الاسرائيلية في غزة ؛ ورغم اعلان وقف الحرب منذ شهور، ما زلنا نسمع عن سقوط الضحايا هناك وعن تفاقم مأساة من بقوا من أهل قطاع غزة على قيد الحياة. وكان نصيب أهل الضفة الغربية من قمع الاحتلال ومن بطشه، خلال الحرب وبعدها، رهيبا ومروعا؛ ففي كل يوم يقرأ العالم ويشاهد كيف يُعتدى بوحشية على المواطنين الفلسطينيين العزّل وعلى بيوتهم وممتلكاتهم وكيف يسقط الشهداء منهم برصاص عناصر الجيش حينًا، أو برصاص سوائب المستوطنين أحيانًا. وفي الوقت نفسه تملأ أخبار قمع الأسرى في سجون الاحتلال المواقع وتقارير المؤسسات القانونية والانسانية التي توثق وترصد الانتهاكات الاسرائيلية في السجون. تمتلىء التقارير بشهادات مرعبة أدلى بها الأسرى والأسيرات ووصفوا عمليات الضرب والتعذيب وسياسة التجويع والاهمال الطبي وتشديد الخناق وحرمانهم من أبسط الحقوق الآدمية، ووثقت ظروف استشهاد وسقوط العشرات من بينهم دون أن تبادر أية جهة رسمية اسرائيلية بالتحقيق في ملابسات موتهم أو معاقبة الجناة.
قد يحسب البعض، مخطئين، بأن الكتابة عن أسرى الحرية الفلسطينيين في "زمن الموت" الذي تعيشه فلسطين فيه من علامات "النزق" أو الشت عن ميادين الدم الحقيقية؛ فالأسير، قد يظن هؤلاء، مهما ادلهمّت عليه الليالي "وتنمّر" عليه بردها، ينام بمأمن من قصف الطائرات، ويصحو على همهمة غيمة كانت وسادته في الخيال. مثل هذا الافتراض ينمّ عن قصور أصحابه في رؤيتهم لواقع اسرائيل الجديدة التي "فقدت روحها" حتى أصبح قتل الفلسطيني في عرفها جائزا في كل المواقع والحالات. إنه "قانون الموت" نفسه الذي وضع الاحتلال أسسه منذ يومه الأول حتى صار يتوسط قلادة القوانين العنصرية جميعها.
كانت معارضة القانون في فلسطين، وما زالت، شاملة؛ أما داخل اسرائيل فجاءت معارضته من قبل بعض الاكاديميين اليهود ومؤسسات المجتمع المدني الذين حذروا من دوافع الحكومة واهدافها الحقيقية من ورائه. من بين المقالات الكثيرة التي كتبت في هذا الصدد سألفت الى مقال كتبه البروفيسور دانيئيل بلتمان في جريدة هآرتس بتاريخ 17/4 تحت عنوان "قانون الاعدام يكشف الحقيقة : في عمر 78 اسرائيل دولة تفقد روحها". تنبع أهمية هذا المقال أولا، بسبب هوية كاتبه؛ فهو محاضر مرموق ومعروف عالميا في مادة التاريخ، ويُعدّ واحدًا من أهم المتخصصين في تاريخ النازية والمحرقة (الهولوكوست) وتاريخ "الجينوسايد" الابادة الجماعية؛ وثانيا، لتحليله الشامل والعميق لمخاطر تطبيق "قانون الاعدام" الذي سيتحول الى أداة "شرعية" في سياق مخطط قتل وتشريد الشعب الفلسطيني. أو كما كتب هو في مقاله أن "اسرائيل لا تسعى فقط لسجن وتهجير واقتلاع وتجويع الفلسطينين وتقويض قدرتهم على الحياة، بل تخوّل نفسها أيضا، أن تعدم، في ظل منظومة قضائية عنصرية، أبناء الشعب القابع تحت سلطتها". يأتي هذا المقال بعد عدة مقالات جريئة كتبها الكاتب ضد ممارسات اسرائيل وعرّى فيها سياساتها بالكامل. ففي مقال نشره في جريدة هآرتس، في شهر أبريل 2025، كتب: "منذ نحو 40 سنة وأنا أعمل في مجال الهولوكوست. قرأت عددا لا يحصى من الشهادات عن الابادة الجماعية التي ارتكبها النازيون ضد الشعب اليهودي وضد جماعات أخرى. لكنني لم أستطع أن أتخيل، ولا حتى في أسوأ كوابيسي، أن أقرأ شهادات حول ابادة جماعية تنفذها دولة اليهود، والتي تذكرني، بمقارنه مقززة، بشهادات من متحف "يد فشم"، أي متحف الهولوكوست". إنه صوت من بين مجموعة أصوات يهودية قليلة تكتب بنفس الروح والمنطق، ورغم قلتهم تبقى أصواتهم ضرورية ومهمة لتعزيز الجبهة ضد الفاشية ومناصرة الأسرى وقضيتهم.
تحل ذكرى "يوم الأسير الفلسطيني" هذا العام وقد رفع، للمرة الأولى، على جميع السجون علم "قانون الموت". لم تكن اسرائيل بحاجة الى قانون اعدام جديد، فمنظومتها التشريعية أتاحت تنفيذ عقوبة الاعدام بحق "مجرمين وارهابيين" ادينوا بارتكابهم جرائم ورد ذكرها في مجموعة القوانين السارية. ما يتوخاه قادة "مملكة اسرائيل" يتخطى عتبات السجون نحو قلوب جميع الفلسطينيين، فهذا "ليس قانونا لمحاربة الارهاب، بل قانون يخوّل الدولة صلاحية أخرى لقتل الفلسطينيين، في نظام قائم كله أصلا على عدم مساواة مجحفة بين اليهود والعرب" وهو ما يعرفه الفلسطينيون، ويجزم به الخبير بتاريخ النازية وتاريخ ابادة الشعوب، ويهود آخرون.
توحي أخبار الجنون المتتالية يوميا في منطقتنا بأن الشرق كله أصبح بابا لجهنم، وقد تكون نيرانها فعلا أقرب مما تخيلنا؛ لكنني، وأنا أكتب اليوم من أجل أسرى الحرية، رفاقي في الهم والأمل على امتداد خمسة عقود، لا أريد إلّا أن أتذكر تضحياتهم الجليلة ومآسيهم الموجعة، وأن أتمنى عليهم، قبل غيرهم، وعلى جميع من يتابعون شؤونهم في فلسطين أن يكونوا على قدر جدية المأساة وحقيقيتها وأن يتوحدوا بداية، ويجترحوا معا أساليب جديدة في مواجهة وكسر أعواد المشانق.
نحن نعيش في "زمن الموت" وقانونه الأبرز، قانون القتل الحر. ومن مثل الفلسطينيين يعرفون أن لكل زمن قانون ورجال، فكيف وهم يواجهون في هذه الأيام حكومة تؤمن أن "ربها" هو الأعلى وحاميها، وتؤمن كذلك أن حياة كل فلسطيني "أخسّ من ورقة بفم جرادة ".

