مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

الهجرةُ الأولى ... نعمةٌ ومنعطفٌ للأفضلِ - جاسر الياس داود

0.00 - (0 تقييمات)
نشرت
367
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

الهجرةُ الأولى ... نعمةٌ ومنعطفٌ للأفضلِ - جاسر الياس داود

كلمة هجرة أو تهجير كلمة سوداء في تاريخ شعبنا العربي الفلسطيني ،الذي عانى من الهجرة والتهجير على مدار مئات السنين،من الحكم العثماني(الأتراك) لفلسطين من القرن السادس عشر الميلادي،ولمّا يَزَل يعاني حتى هذا اليوم من هذا القدر،الذي ظلم شعباً أعزل وشتته في بقاع الأرض.

عائلات كثيرة تشتّتَ أولادها بسبب هذه الإحتلالات،فمنهم مَنْ ترك والديه وجميع أفراد عائلته، ليعيش وحيداً وواحداً في بلاد أبى أنْ يُدخلها الى قلبه ويُسكنها فيه، لأنها ليست بوطنه،ومنهم مَنْ ذاب في حياة البلاد الجديدة وهم قلائل،والغالبية ما زالت تحنُّ الى العودة لديارها التي هُجِّرت منها وأجبرت على الإبتعاد عنها خوفاً من الظلم والظلاّم والقهر والقتل.

أما النبي العربي محمد بن عبد الله القريشي(صلعم)فلم يكن ليعرف الراحة والاستقرار بعد نزول الوحي عليه من عند الله - عزّ وجلّ – حين كان في غار حراء يَتحَنّثُ شهر رمضان ( التحنث:التبَرُّر)إذ قال الملاك جبرائيل للنبي محمد(صلعم) عدة مرات:إقرأ فأجابه النبي(صلعم)بعد عدة مرات:ماذا أقرأ؟ ثمّ ردّدَ النبي محمد(صلعم)ما أملى عليه الملاك قائلاً:" بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. إقرأ باسمِ ربِّكَ الذي خَلَقَ.خَلَقَ الإنسانَ مَنْ عَلَقٍ.اقرَأ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ.الذي عَلَّمَ بالقَلَمِ.عَلَّمَ الإنسانَ ما لم يَعْلَمْ"(سورة العَلَقِ،آيات 5-1)كما وقال الله - عزّ وجلّ – في كتابه المبين :" بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ.إنَّا أنْزَلْناهُ في ليلَةِ القَدْرِ.وَمَا أدْراكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ.لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألْفِ شَهْرٍ.تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والروحُ فيهَا بِإذْنِ رًَبِّهِمِ مِنْ كُلِّ أمْرٍ.سلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ" (سورة القَدَرِ،آيات 6-1 كاملةً).

كان هذا نزول الوحي على النبي محمد (صلعم)سنة 610م،وكان عمره آنذاك اربعين عاماً.فعادَ الى بيته يرتجفُ، وقال لزوجته خديجة دثروني دثروني (أو زملوني زملوني) عندها نزلَتْ عليه سورة المُدَّثِرُ " بِسْمِ اللهِ الرَحْمنِ الرَحيمِ.يا أيُها المُدَّثِّرُ. قُمْ فَأنْذِرْ.وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ.وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ.وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ.ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ.وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ" (آيات 8-1).

لم يَخَفْ النبي محمد (صلعم) على نفسه من ظلم بني قريش كما أو مثل خوفه على أتباعه المؤمنين برسالته،فعمه أبو طالب حاميه بعد وفاة جدّه عبد المطلب،أما أتباعه القلائل في بداية نشر رسالته،فلم يكن هناك مَنْ يحميهم ويصدّ تهجمات وظلم قريش عنهم. ومن هؤلاء الذين كانوا يتعرضون للمسلمين الأوائل ويضربونهم ويعذبونهم،إنه المشرك "أبو جهل" ومجموعة من المشركين قاموا بتعذيب عائلة المسلم عمَّار بن ياسر،فقتلوا والده بعد تعذيب طويل،وبعده قام ابو جهل بطعن والدته سُمَيَّة بحربة دون شفقة أو رحمة، لتكون أول شهيدة في الإسلام.

خاف النبي محمد(صلعم) عليهم من أن يتأذوا كثيراً،عندها سيلاقي صعوبة كبيرة في نشر رسالته،وزيادة عدد المؤمنين بدينه الحنيف الداعي الى عبادة الله الواحد،ونبذ وترك عبادة الأصنام التي مارستها قريش وحلفاؤها.

فكَّرَ النبيُ فيما عساه يفعل؟

تنبَّهَ وبإيحاءٍ من الله - عزّ وجلّ- الى وجود حاكم مؤمن مسيحي في بلاد الحبشة لمْ يظلِمْ أحداً ولم يُظْلَمْ أيُّ واحدٍ في مملكتهِ،إذ كان يعمل بحسب الإنجيل المقدس:" مَنْ يَقبَلُ نبياً باسم نبيٍ فأجرَ نبيٍ يأخُذُ.ومَنْ يَقْبَلُ بارَّاً باسمِ بارٍّ فأجْرَ بارٍّ يأخذُ.وَمَنْ سقى أحَدَ هؤلاءِ الصغارِ كأسَ ماءٍ بارِدٍ فقط باسمِ تلميذٍ فالحقَّ أقولُ لكُمْ إنَّهُ لا يضيعُ أجْرَهُ."( إنجيل متى،الإصحاح العاشر،الأعداد 42-41) . لم يفكر النبي محمد (صلعم) بإرسال المؤمنين الأوائل الى مناطق أخرى،لأن المناطق غير آمنة لسلامة هؤلاء المؤمنين  أو أنها بعيدة.لهذا اختار بلاد النجاشي وحماية النجاشي لهؤلاء المؤمنين،لأنه كان متأكداً من عدالة وسماحة وتفهم هذا الحاكم لهؤلاء المؤمنين وطلبهم بأن يحميهم من ظلم الكفَّار.

تقول غالبية المصادر المهتمةبهذه الهجرة، الى أن عدد الذين هاجروا الى الحبشة في المرة الأولى،بلغ أحد عشر رجلاً مسلماً وأربع نساء مسلمات.

لم يهدأ بال القريشيين ،لأنهم كانوا يعرفون بأن نجاة المسلمين الأوائل وحمايتهم في بلاد الحبشة وحاكمها المسيحي النجاشي،سيؤثر إيجابياً على نشر الدين الحنيف الجديد،ألا وهو الدين الإسلامي دين النبي محمد (صلعم).لهذا أرسلوا رسولين هما: عمرو بن العاص- الذي أصبح فيما بعد قائداً مسلماً له الباع الطويل في الفتوحات الإسلامية زمن الخلفاء الراشدين-  وعبدالله بن أبي ربيعة.ولقد ظنَّتْ قريش بأن الهدايا التي أرسلتها مع هذين الرسولين،ستحقق هدفهم القاضي بتسليم النجاشي المسلمين المهاجرين لأيديهم.

ماذا حدث للمسلمين الأوائل في مملكة النجاشي المسيحي؟

وصل رسولا قريش عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة مع الهدايا الى بلاد الحبشة،وأرادوا إقناع النجاشي بأنّ هؤلاء المسلمين خطرٌ عليه وعليهم.ومما قاله الرسولان للنجاشي:" أيها الملك !إنه قد ضوى الى بلدك منا غِلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكَ،وجاءوا بدين....لا نعرفه نحن وأنتَ..." (تاريخ الاسلام،حسن ابراهيم حسن،المجلد الأول،صفحة 89)

لم يكن النجاشي عاطفياً أو يتصرف بما يمليه عليه قلبه قبل عقله،فعمرو بن العاص كان صديقاً له،لكن بحكمته وعقلانيته،دعا اليه المهاجرين وسألهم عن دينهم،فأجابه جعفر بن أبي طالب،بأن الدين الجديد هو دين يدعو الى عبادة الله الواحد،وعدم العمل بحسب عادات وتقاليد الدين الوثني الذي تركوه.ثمّ توسَّعَ بالشرح عن هذا الدين ليقنع

بصدق دينهم،وعدم تسليمه إياهم للرسولين عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة.

ثمّ سألهم النجاشي عما يقوله الدين الجديد في يسوع المسيح ابن مريم العذراء؟

فقام جعفر وقرأ بعض آيات من سورة مريم حتى ذكر ميلاد يسوع المسيح.فكان رد النجاشي للرسولين:لن أسلم المهاجرين المسلمين لكما.وطلب من المهاجرين المسلمين البقاء في مملكته بسلام وأمان.

حاول القريشيون بكل الوسائل بواسطة رسوليهما عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة إقناع النجاشي بعدم صدق أقوال المهاجرين المسلمين.فكان النجاشي يطلب رد المهاجرين المسلمين،الذين أقنعوا النجاشي بصدق دينهم،ومما قالوه في يسوع المسيح.فكان جواب النجاشي مرة أخرى وأخيرة لعمرو وعبدالله رسولي قريش:لن أسلمهم لكما أو لأيديكما،لأن النجاشي كان يعرف بأن تسليم المهاجرين المسلمين الأوائل لهما،يعني قتلهم على يد القريشيين الوثنيين وعبدة الأوثان والأصنام.

تقول بعض المصادر التاريخية بأن هؤلاء المهاجرين المسلمين الأوائل قد عادوا الى مكة بعد هدوء العاصفة،وبعد وصول الأخبار اليهم بأن أهل مكة قد أسلموا.فلما وصلوا مكة خفية،تبيَّن لهم بأن ما وصلهم من أخبار ليس بصحيح،فقرروا العودة ثانية الى الحبشة،وهذه المرة كانوا أكثر عدداً،إذ كان عددهم يفوق الثمانين رجلاً غير النساء والأطفال،وأقاموا بها الى ما بعد هجرة النبي محمد(صلعم) الى يثرب سنة 622م،والتي أصبحت فيما بعد تدعى بِ " المدينة المنورة".

هكذا حافظ النبي محمد (صلعم)بمساعدة النجاشي المسيحي على نواة المسلمين الأوائل.فكان النبي محمد (صلعم) صائباً في اختياره لبلد يدين بالدين المسيحي

الذي يؤمن بالله الواحد،كما كان دين النبي محمد (صلعم)يؤمن.كما وكان قرار النجاشي حاكم الحبشة صائباً،والقاضي بعدم تسليم المهاجرين المسلمين الأوائل لأيدي الكفاروعبدة الأوثان من القريشيين وحلفائهم.

إذاً الهجرة الى الحبشة كانت نعمة على الدين الإسلامي وعلى المسلمين فيما بعد،وكانت منعطفاً في حياة المسلمين الى الأحسن والأفضل،لأنه لو تَمَّ تسليم المهاجرين المسلمين الأوائل للكفار من قريش،لكانت النهاية سيئة جداً.ولكن تدبير الله في اختيار مكان الهجرة للمهاجرين المسلمين الأوائل،وتدبيره - عزّ وجلّ – في هداية الملك العادل النجاشي ملك الحبشة الى سماع قول الحق والعمل بحسبه وإسماع جوابه الصائب للقريشيين،هما اللذان أديا بالمهاجرين المسلمين الأوائل الى البقاء على قيد الحياة،ومنهما انطلقت البشائر بإيمان الكثيرين من أبناء قبيلة قريش وغيرها بدين النبي محمد (صلعم)،والدخول في صفوفه والدفاع عنه والوقوف وقفة الأبطال في وجه الكفارالمقاومين له وللمؤمنين بدينه.

وبهذا أنتهز هذه الفرصة لأقول لآبائنا من الديانتين المسيحية والإسلامية،حبذا لوربينا أولادنا على المبادىء المشتركة المنادية بالمحبة الصادقة للجميع وتقبل أو قبول الآخر،فالدين لله والوطن للجميع.

ولأخوتنا في الحياة المشتركة في بلدتنا الغالية عبلين وفي هذه البلاد وفي العالم العربي والإسلامي نقول: كل عام والعام والجميع بألف خير جعلها الله سنة خير وبركة للجميع آمين.

عبلين 25/11/2011م

367
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

جاري التحميل