التصويت العربي واستعادة المبادرة: بين تأكيد الهوية وتحدي الإقصاء - جواد بولس
ثمة معارك انتخابية تتجاوز في دلالاتها حدود النتائج والأرقام، لتصبح مرآة تعكس تحولات جذرية في وعي مجتمع ما، ولحظة يعيد فيها الناس انتاج قوابس قوتهم ويستلهمون إرادتهم في مواجهة واقع، يريد الآخرون فرضه عليهم. والانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وفق ما تظهره نتائجها غير النهائية المعلنة، تشكل مثل هذه اللحظة الفارقة في حياة المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل. سأتطرق في هذه المقالة لبعض الدلالات والخلاصات التي يمكن أن نقرأها في هذه المرحلة على ضوء المنجز الأهم والأوضح في هذه المعركة وهو مشاركة الأكثرية العظمى من أبناء المجتمع العربي في الانتخابات، وتصويتهم بالأساس للقائمتين العربيتين، المشتركة والإسلامية الموحدة، ومنحهما، حسب النتيجة المعلنة ساعة كتابة هذه السطور، تسعة عشر مقعدا في الكنيست الاسرائيلي.
إن ارتفاع نسبة التصويت بين المواطنين العرب بشكل غير مسبوق، الذي حصل والمجتمع العربي يمر بمحنة صعبة وظروف مأساوية، يعكس نضوجا سياسيا لافتًا وقرارا واعيا لتجاوز حالة الإحباط المستشرية، وتحدّيا لما راكمته سنوات من سياسات التحريض والترهيب والتهميش والملاحقة والاضطهاد. وفي نفس الوقت، يشكّل رداً واضحاً على دعوات المقاطعة التي صدرت عن جهات وشخصيات عربية محلية اختلفت دوافعها، لكنها اتفقت على أن الإمتناع عن التصويت هو الوسيلة الأصوب، سياسيا و/ أو عقائديا، للاحتجاج ولمواجهة سياسات القمع وبرامج الدولة الفاشية. لقد اختارت هذه الألوف المؤلفة أن ترد على تلك الدعوات بالفعل وبالمشاركة، لا لأنهم يثقون بأن هذه الانتخابات، أو أدوات "الديمقراطية البرلمانية" المتاحة، كافية وحدها لمواجهة الفاشيين والعنصريين ولتحقيق المساواة، أو لأنهم يغفلون حقيقة التناقضات البنيوية العميقة في طبيعة الدولة الصهيونية التي تصر على فوقية يهوديتها، لقد اختاروا المشاركة، لأنهم أدركوا أن الانسحاب الطوعي من ساحات التأثير لا يخدم إلا القوى التي تسعى إلى إقصائهم وإخراجهم وأحزابهم ومؤسساتهم خارج إطار الشرعية، وحرمانهم من ممارسة حقوقهم الأساسية وأهمها الحق في تقرير شكل الحكم الذي سيتحكم في مصائرهم وشروط بقائهم في أرضهم.
لكن الدلالة الأهم لهذه المشاركة تتجلى في الالتفاف الواسع حول "القائمة المشتركة" خاصة إذا استحضرنا محاولات التأثير واستمالة قلوب وعقول المصوتين بشتى الأساليب والذرائع والأساليب. لا يمكن اختزال هذه المشاركة في حسابات المقاعد وحسب، بل ينبغي قراءتها باعتبارها تأكيدا على حاجة المجتمع العربي المحلي إلى إطار سياسي وطني علماني جامع يصون هويته الفلسطينية ويدافع عن حقوق أفراده المدنية والقومية في الآن ذاته. لقد رفضت أكثرية الناخبين العرب أن يُخيّروا بين مواطنتهم وهويتهم، أو أن يكون ثمن الاعتراف بحقوقهم وممارستهم لحق الانتخاب هو تخليهم أو "تجميد" انتمائهم الفلسطيني, وفق قاعدة "درء المفاسد وجلب الفوائد". لقد رفضوا أن يستسلموا للخوف أو أن تكون مواطنتهم نقيضة للهوية، كما حاول البعض اقناعهم، وأصرّوا على أن حقهم في المشاركة في البرلمانية ليس منّة من أحد، بل هو استحقاق لا يستوجب التخلي عن وطنيتهم أو عن واجبهم للتضامن مع قضايا شعبهم الفلسطيني. من الواضح انه ليس جميع المصوتين للقائمة المشتركة يتبنون أيديولوجيا واحدة أو قناعات سياسية متطابقة؛ لكنّهم اختاروا، في تلك "اللحظة التاريخية"، الالتفاف حول إطار مكّنهم من تجاوز الانقسامات الطائفية والدينية والفئوية والسياسية التي عاشوا في ظلّها خارج هذه التجربة. نحن بحاجة لدراسة سلوك المجتمع العربي وتعامله مع من حاولوا التأثير عليه خاصة بتجنيد النداءات الطائفية؛ فهنالك فروق واضحة في موقف المواطنين المسيحيين الرافض للتعاطي مع مثل هذه الدعوات كما ظهر في نتائج الانتخابات في التجمعات المسيحية، بينما نجد تجاوبا لها داخل المجتمعات الدرزية التي صوتت نسبة كبيرة منهم للأحزاب الصهيونية خاصة تلك التي ضمت مرشحا درزيا في قائمتها، ومثلهم نجد مصوتي القائمة الموحدة الذين اختاروها كحركة تعرّف نفسها ابنة للمشروع الاسلامي، وكقائمة "محافظة" تهتدي بتعاليم الاسلام وبفقهه السياسي. لقد اختلف مصوتو القائمة المشتركة عن سائر أولئك المصوتين، ومن الضروري أن تسجل قيادات الأحزاب والحركات السياسية والمدنية جميعها أهمية هذه التجربة ودلالتها الأهم في ضرورة استنهاض خطاب وطني علماني، لا يستهدف التدين ولا ينتقص من حرية الاعتقاد، بل يؤكد على أن السياسة هي شأن عام وأن المواطنة هي ابنتها الشرعية، والعقل هو وعاؤها الآمن، والتعددية هي روحها الحيّة. فمواجهة العنصرية والفاشية بحاجة لبناء مشروع سياسي جديد يؤمن بقدرات المجتمع كله وقوته في صناعة التغيير بعيدا عن إغواءات الخطابات التضليلية الانفعالية أو النداءات الاقصائية، أو الوقوع في فخ الأفكار الغيبية والمطامع النفعية التي تكرس الولاءات الضيقة.
لم تختبر هذه الانتخابات قيادات المجتمع العربي ولم تكشف عن طاقات المجتمع العربي الكامنة وحسب، بل وضعت كذلك قوى المعارضة الإسرائيلية، أو قوى التغيير، أمام اختبارين ديمقراطي وأخلاقي واضحين . فالمواطنون العرب لم يصوتوا فقط من اجل الاطاحة بنتنياهو وحلفائه، بل عبّروا بشكل حاسم عن إرادتهم في المشاركة بالتأثير على مستقبلهم وعن حقهم في تغيير الحكم. وقد كشفت النتائج أن الصوت العربي قادر على أن يصبح عنصرا أساسيا في أي معادلة سياسية تسعى إلى تشكيل حكومة بديلة.
مع بدء إعلان نتائج التصويت، بدأت أقطاب الحكومة وسوائبها، بالتحريض على العرب وعلى ممثليهم المنتخبين. لم يفاجئنا موقف هؤلاء العنصريين المعروف والمعلن؛ بيد أن المفاجأة كانت في أول تصريح أدلى به قائد معسكر التغيير جادي ايزنكوت، حين تحدث عن نيته إقامة "حكومة صهيونية"، مستبعداً امكانية الشراكة مع الأحزاب العربية رغم أن قوتهم بمقدورها أن تمنحه أكثرية واضحة وتمكّنه من إقامة حكومة فورا. إن اعلان موقفه بعد نهاية الانتخابات مباشرة يضعه في صف نتنياهو وحلفائه العنصريين ويشكك بكونه أهلا ليقود عملية التغيير. وما يزيد من خطورة موقفه هو موقف حلفائه المشابه، باستثناء موقف يائير غولان رئيس حزب الديمقراطيين، الذي دعا إلى الشراكة مع الأحزاب العربية. إن مواقف قادة أحزاب المعارضة التي كنا نعرفها قبل الانتخابات وموقفهم المناهض للشراكة مع الأحزاب العربية بعد الانتخابات يضعهم أمام مفارقة فاضحة ومن شأنه أن يودي الى ترسيخ الوضع السياسي الراهن والابقاء على القوى الفاشية في الحكم.
لا أعرف كيف سيتصرف أيزنكوت وحلفاؤه في الأيام القادمة، فعليهم تقع مسؤولية كبرى في إحداث التغيير المنشود؛ لكنني لا أعفي أنفسنا ،نحن المواطنين العرب، من المسؤولية عن المحافظة على ما انجزناه في هذه الانتخابات، والشروع فورا بتطوير مشروع سياسي يحافظ على القائمة المشتركة ودورها المأمول في إحياء الحياة السياسية وفضاءاتها السليمة، وإشراك الطاقات الشابة والنسائية والمهنية واستغلال قوتها البرلمانية في مواجهة ما يعصف بمجتمعنا من عنف وجريمة وتفكك. وعلينا، في الوقت نفسه، ايجاد الوسائل الناجعة واللغة السليمة الملائمة لمخاطبة المجتمع اليهودي، لا سيما تلك الفئات التي أدركت معنى المشاركة السياسية العربية الواسعة، وضرورة الشراكة العربية اليهودية كوسيلة لازمة وكشرط سياسي وأخلاقي لإسقاط نتنياهو وتشكيل حكومة بديلة وتحقيق أي تغيير حقيقي.
معركتنا مع هذه الحكومة ومع شبيهاتها المقبلة لم تنته مع اعلان نتائج الانتخابات، بل انها قد بدأت. ولو قيّض لي أن أكون من بين الذين احتفلوا بالنصر في مقر القائمة المشتركة في تلك الليلة، لبدأت بتقديم الشكر لمئات آلاف المصوتين الذين دبت فيهم النخوة الفطرية السليمة وفزعوا عازمين على "دوس الخوف والسوط بالصوت"؛ وشكرت أيضا آلاف الفوارس والفارسات المجهولين الذين بذلوا جهودا جبارة في تحقيق نصر القائمة المشتركة، ليس افتتانا بقياداتها، بل على الرغم من أنهم لم يعرفوا معظم تلك القيادات ولم يسمعوا بأسمائهم من قبل. وإن كان لا بد من إهداء النصر لأحد لكنت سأهديه لجميع مدننا وقرانا من مضارب الإخوة في الجنوب حتى قرية فسوطة في أقصى الشمال؛ فمياديننا كانت وستبقى هنا، وأفراحنا وأحزاننا كانت وستبقى هنا؛ وستبقى قلوبنا، كما كانت دوما، مع أهل غزة والضفة الغربية: فقد كنا وما زلنا معهم من أجل أن يتحرروا من الاحتلال البغيض ويتخلصوا من أهوال الابادة والقتل والحصار والتجويع الذي مارسته هذه الحكومة، والتي من أجل كنسها فزعت الناس وداست خوفَها وسوطها الارادة

