مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

لماذا أضرب شعبنا عن الإضراب؟ - سميح غنادري

0.00 - (0 تقييمات)
نشرت
391
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

لماذا أضرب شعبنا عن الإضراب؟ - سميح غنادري

 

لم تُضرب الغالبية الساحقة من شعبنا في يوم الأرض الأخير. اذاً بإسم أي شعب قررت قيادتنا، من أحزاب ولجنة رؤساء ولجنة متابعة، أن "الشعب يريد الإضراب"؟!

يظهر أن القيادات أنطقت الشعب باسمها بدلا من أن تنطق هي باسمه. ويظهر أن لجنة المتابعة، التي اعتادت  خوض النضال بالبرامج الورقية وبالشعارات، بحاجة إلى متابعة ومساءلة: باسم مَنْ تقرر، ولماذا تفشل في تنفيذ وممارسة ما تقرره.

تجولت صبيحة يوم الأرض في مدينتي وثلاث قرى تجاورها. لم أشهد إضرابا في الأحياء والحارات. شهدته فقط في مقطع بارز من الشارع الرئيسي وجزئيا، ولساعات قليلة ما قبل الظهيرة. أقصد إغلاق بعض المحلات التجارية لأبوابها مع إستعجال الوقت للعودة لفتحها وكسر الإضراب.

كان الإضراب شاملاً، عاماً وطاما، في المدارس فقط. هذا إذا ما قررنا، أن إغلاق بوابات المدارس بقرار من السلطة المحلية، وفرح الأساتذة والطلاب بيوم عطلة ونزهة جديدة... إضرابا. مَدارسنا لم تضرب نتاج قرار كفاحي من هيئاتها التدريسية ومجالس طلبتها، وإثر تعبئة وطنية وتثقيفية قبل شهر على الأقل من يوم الأرض، عن معانيه وعن كون الأرض وطنا وهوية. اسألوا الأجيال الطالعة من الطلاب، فهم لا يعرفون ما هو يوم الأرض أصلا، ولماذا "أضربوا". هذا رغم أن لجان المتابعة والرؤساء والتعليم يقررون منذ أكثر من ثلاثين عاما تعميم الدروس اللامنهجية عنه سنويا. قرروا. وكفى الله الوطنيين فعل التنفيذ.

لكن فشل الإضراب لم يمنع بعض قياداتنا وصحفنا من الخروج بفيض من التصريحات والمانشيتات والعناوين الفرعية الصارخة عن "نجاح الإضراب" و "التزام معظم الناس بالقرار" وعن كونه "إضرابا شاملا في كافة المؤسسات والقطاعات" وقد "عم جميع البلدات العربية"(؟!).

صحيح أنه "ما في رباط عن الكلام"، لكن عندما يزوّر المتكلم \ الكاتب الحقيقة المرئية الصارخة، يكون هذا تزويراً مع سبق الإصرار والترصد، وهروبا جبانا من محاسبة الذات باتجاه الإصلاح. لقد وصل الأمر حد تراوح تقديرات عدد الجماهير " التي توافدت بألوفها من كل بلدات البلاد" للمهرجان المركزي في عرابة بين سبعة الآف و... عشرات الألوف(؟!).

وصمت الجميع عن ذكر الأهم. أقصد عدم إضراب العمال والموظفين العرب العاملين في البلدات اليهودية ومرافقها وفي المؤسسات والمكاتب الرسمية. أي أن إسرائيل الرسمية واليهودية لم تر إضرابا عربيا ولم تسمع به. فكيف يكون الإضراب شاملا بدون إضراب العاملين بأجرة، وهم الغالبية الساحقة من قوى شعبنا العاملة؟ لقد فشلنا حتى في إيصال رسالة الإضراب إلى الآخر، وفي إفهام المؤسسات الحكومية والإنتاجية والخدماتية العبرية أن للعرب قوة تأثير، كمي وكيفي، على بنية واقتصاد الدولة اليهودية. يظهر أن سعادة ذاتنا أضربت لإيصال رسالة إلى فخامة ذاتنا لا للمجتمع الذي يقهر ذواتنا!

لكن، حتى "رسالة الذات إلى الذات" هذه، وصلت معطوبة ومسّت بوعينا الوطني وبهويتنا القومية والثقافية. إذ أن قلة من أصحاب المحلات التي أضربت مؤقتا وجزئيا، تقول لك إنها أضربت عن غير اقتناع ومن باب الخجل وإسقاط الواجب، وتجنبا للإحراج و"تسميع الكلام" من البعض. وما من عتاب وطني لدي لهؤلاء الذين لم يقتنعوا بجدوى الإضراب. فالقيادة، هي الأخرى، أعلنت الإضراب بالإجماع من باب إسقاط الواجب وتجنب إحراج بعضها لبعض، ومزاودة بعضها على بعض. وأترحّم على قيادة مسؤولة منذ أواخر السبيعنات حتى اواخر الثمانينات لم تنجرّ ولم تتأتئ في مواجهة كل من أراد إضرابا في كل يوم أرض، دون نضوج الحاجة والاستعداد الجماهيري لإنجاحه. أترحم وأتذكر... لأني افتقدت في إعلان الإضراب الأخير مسؤولية القيادة، والقيادة المسؤولة.

                       

لإنجاح إضراب قادم...

الإضراب ليس لعبة، ولا موضوع مزاودة، ولا إحياء لذكرى وفق أجندة زمنية يفرضها تاريخ الرزنامة السنوية، ولا طقسا يشبه الطقوس الدينية الثابتة : المسيحيون يصلون جماعيا يوم الأحد والمسلمون جمعا يوم الجمعة، والعرب يضربون يوم الثلاثين من آذار! الإضراب القومي الوطني إما أن يكون عاما وجماهيريا ونتاجا لتصعيد كفاحي مثابر لفعل نضالي متراكم، وإما لا يكون. وبالتأكيد هو ليس نتاجا لقرار فوقي لطلائع حزبية منظمة، وإنما نتاج اقتناع هذه الطلائع أن نقمة الناس على أوضاعها، وجاهزيتها الكفاحية، والتعبئة التثقيفية والتحريضية والتنظيمية من قبل هذه الطلائع نفسها، وصلت حد تجميع وبلورة الاحتجاج الجماهيري لكافة أطياف المجتمع المدني. الإضراب فعل تصعيدي وتتويجي لخميرة شهور وحتى سنوات نضال سابق. عندها سينجح حتما وستكون له نتائج إيجابية باتجاه تحقيق مطالب الناس.

ثمّ ما من أقلية قومية في العالم تعاني من سياسة تمييز قومي عنصري تعزل نفسها طوعا عن محاولات التأثير والتعاون مع قومية الأغلبية في وطنها، لما فيه صالح مطالبها القومية والمدنية. لقد أخذ بعضنا يؤدلج حتى هذه القطيعة، وكأننا لا تكفينا مصائب إقصائنا وتهميشنا وعزلنا من قبل المؤسسة الصهيونية الحاكمة وسياستها. الأقلية العربية، ومن باب مصلحتها القومية، هي التي يجب أن تكون معنية بكسب تحالف ودعم قوى ديمقراطية يهودية مهما كان عددها قليلا، وبالتأثير على مؤسسات الدولة وقضائها وجامعاتها وأكاديمييها ومثقفيها وأدبائها وفنانيها ووسائل إعلامها والجمهور الواسع. نعم المجتمع اليهودي يزداد عنصرية وفاشية، لكن هذا يجب أن يزيدنا قناعة بضرورة التصدي لعزلنا عن التواصل مع قواه الديمقراطية. لقد فشل "إضرابنا" الأخير في هذا أيضا. وكاد يغيب عن وسائل الإعلام العبرية، وليس بسبب ذنبها فقط دون تقصيرنا. هذا عدا عن أننا تخلينا كليا عن إيصال قضيتنا للمجتمع الدولي رغم كثرة ثرثرتنا، ومنذ سنوات، عن ضرورة وأهمية هذا.

كشف "الإضراب" الأخير، بين ما كشفه، عن أن تزايد تعددية تياراتنا السياسية وأحزابنا في العقود الثلاثة الأخيرة لم يزد طرديا من فعاليتنا النضالية وقوتنا التنظيمية ووحدتنا الاجتماعية المدنية كشعب. فهذه كلها أصبحت أسوأ من الماضي. عموما هذه نهضة مدنية مباركة لكننا أعقناها بعصبيتنا ولاديمقراطيتنا وبسلوكياتنا وحساسياتنا  الحزبية، وحتى الدينية والطائفية، إزاء بعضنا البعض. لقد نجحنا في إلباس الحضارة ثوبا صحراويا، وكان لما أسميته قبل سنوات بحزبية القبائل وقبلية الأحزاب، دور سلبي كبير في هذه الرّدة المتخلفة التي تعيق تصرفنا كشعب.

 

التغيير المنشود...

تتسابق أحزابنا السياسية، ولا أساوي بينها بالمسؤولية، ليس مثلا في دراسة إمكانية وجدوى الإضراب وكيفية الإعداد له، وإنما بمن يفوز بمبادرة الإعلان عنه. وتتسابق ليس في تجنيد الجماهير وبشكل وحدوي لإنجاح الإضراب و/أو مسيراته ومهرجانه المركزي، وإنما بتجنيد كوادرها الحزبية الشبابية بأعلامها وشاراتها حتى تظهر أنها هي الأبرز وأنها مَن يهيمن على الساحة. أما عن سباق – صراع الفوز بمنصب خطابة لإسماعنا خطابات ممجوجة ومستهلكة ومملة وضاجّة، سمعناها على مدى السنوات الماضية وسنسمعها (إذا لم تتغير الأحوال) في أيام أرض وسنوات قادمة، فحدّث ولا حرج.

لذلك كله أتساءل: هل لدى شعبنا أحزاب يملكها، أم لدى أحزابنا شعب تملكه؟! من يخدم منْ؟ ومتى نعيد الوحدة الحية لهويتنا العروبية الفلسطينية الديمقراطية، ببعدها الإنساني والمدني والحضاري؟

تتغنى أحزابنا بثورات ربيع شعوبنا العربية هناك، وتدعو شبابنا لاستلهام نهجها ومدنيتها وديمقراطيتها هنا. لا بأس بهذا، لكن الأجدى أن تستلهم بعض الأحزاب نفسها هذا النهج. إذ كادت تتكلس وتتآكل آليات وأدوات عملها وخندقتها في ترديد خطاب المحتفين بدلا من التركيز على خطاب الفاعلين المنجزين. بينما كل العالم حولنا، وفي بلادنا ولدى أقليتنا القومية، تغيّر بما لا يقاس بالمقارنة مع زمن يوم الأرض الأول قبل 35 عاما. تغيرنا بنية اجتماعية وأطرا سياسية ووسائل إعلامية وأدوات وآليات تعبوية وتثقيفية ونضالية، ومؤسسات مجتمعية مدنية، وفعالية شبابية... إلخ. ويظهر أنه لم يبق "على ما هو عليه" إلا الله سبحانه وتعالى، وبرامج ونهج وآليات عمل بعض أحزابنا وقياداتنا.

على ضوء نهجنا في إضراب يوم الأرض الأخير، أخشى أن يستلهم شبابنا ثورات ربيع الشعوب باستبدال شعارها "الشعب يريد إسقاط النظام" هناك، بشعار "الشعب يريد إسقاط الأحزاب/القيادات" هنا. قلت "أخشى" لأننا نريد لأحزابنا ولقياداتنا التقدم والنجاح وإجراء التغيير المنشود بانتهاج نهج الوحدة والديمقراطية والتجديد، وإطلاق طاقات الشباب حتى تقوى وتنتصر ونـُسقط وإياها سياسة التمييز العنصري بحقنا، ونساهم وإياها في معركة حق تقرير المصير لشعبنا الفلسطيني والسلام العادل لكل المنطقة.

لقد كنس وتخطى شباب ميادين التحرير حتى الأحزاب الوطنية المعارضة التي تخلفت عن التجديد ووعي المرحلة وأدواتها، وكاد يلتهمها. لا نريد لأحزابنا ولقياداتنا الوطنية هذا المصير. الاستلهام، لا الالتهام، هذا ما ننشده لها ولنا.

آن الأوان لأن تعي أحزابنا وقياداتنا أنه لا بد من التغيير وإبطال نهج العصبية الحزبية والحساسيات والأحقاد الفئوية إزاء بعضها البعض، وعلى حساب وحدتنا الوطنية. وبدون إعادة بناء وتنظيم وإصلاح الحركة الوطنية لشعبنا، بتياراتها المركزية من شيوعية – جبهوية وإسلامية وقومية، وسائر أطيافها، لن نحقق التغيير المنشود. أقصد التغيير باتجاه تنظيمنا وتصرفنا كشعب، حتى نحقق حقوقنا كشعب. 

391
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

جاري التحميل