مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

تمصـّروا يا عرب!: زغرودة للشعب المصري ولثورته - سميح غنادري

0.00 - (0 تقييمات)
نشرت
440
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تمصـّروا يا عرب!: زغرودة للشعب المصري ولثورته - سميح غنادري

 

اعتذار وتعظيم سلام

نعتذر أمام جلالتك يا شعب مصر .                    

نعتذر، لأننا اعتبرناك شعبا بائسا ذوّت المذلة والمهانة والرياء، والاستجداء الذليل للقمة العيش، والعجز عن الفعل وعبودية الفكر.

نعتذر، لأننا اعتقدنا أن نظام دولتك الفاسد والمفسد، والمحنـّط العفن، قد نجح في إفساد وتحنيط وتعفين إرادتك وكبريائك وكرامتك القومية والإنسانية.

نعتذر، لظننا أنك نسيت كلمات الصمود والتحدي والتصدي والمقاومة، واستبدلتها بالانصياع والطاعة وتقبيل أيادي الباشاوات لتحصيل فتات المائدة. وفرعنت وألـّهت حاكمك – ظالمك، كافورك الإخشيدي وسائر شلـّة المماليك المملوكين والسلاطين المسلطنين نهبا وفسادا وظلما في "مزرعتهم" – دولتك، وطنك، الذي أصبح فيه الفتى العربي "غريب الوجه واليد واللسان"، وأصبحت الناس "تـُرعى بعبد وكأنهم غنم" و"الحر مستعبد والعبد معبود".

نعتذر، لشعورنا بأنك غفلت عن ثعالب تسرق كرمك، وسمحت لسجـّانك بمصادرة روحك، وسلب ذاتك، وتغريبك عن هوية عروبتك ووطنيتك. وتساءلنا: أما آن لهذا الفارس المصري العريق أن ينزع خوفه فيثور ضد ثالوث الظلم والفساد الذي ورد ذكره في سورة "العنكبوت" القرآنية: فرعون (السلطة السياسية)، وقارون (الطغمة المالية)، وهارون (المؤسسة الدينية)؟!

اقبل اعتذارنا، وسامحنا يا شعب مصر!

لم ننتبه أنك على شاكلة نهرك – النيل العظيم. تنظر إليه في سكينته فتراه أشبه بمسار لمياه راكدة، وكأنه مستنقع. وتخفى عنك الحركة الكامنة في أعماقه التي تتراكم وتتراكم كمـّاً ونوعا... فيفيض.

فاض شعب مصر. وكان فيضانه أوسع وأبعد من فيضان نيله. كان هذا فيضان كله خير وربيع ونظافة، دون خراب وأوساخ. هذا فيضان لم يطالبنا بأن نقدم له العرائس ضحايا... استجداء لرحمته. إنما جاد بعرائسه وعرسانه، شهداء وجرحى، افتداءً وتضحية لنا نحن الذين تشهيـّنا زغاريد النساء منذ ألف عام، حتى كدنا نيأس من انتفاضه – فيضانه.

لا، لم تكن تلك مجرد لقطة تلفزيونية عابرة، وإنما كانت أصدق تعبيراً من تعليقات المعلقين المتعلمين المتمرسين. أقصد ما فعلته بعفوية الفنانة – المغنية نوارة، ابنة الشاعر أحمد فؤاد نجم. سألوها: ما هو تعليقك على انتصار الثورة؟ فأطلقتها زغرودة مدوية طويلة. وصمتت.

هذا صمت عن الكلام... هو فصل المقال. فمعذرة يا مصر على خطأنا بحقك. وتعظيم سلام لك يا شعب مصر. لقد استعدت روحك وذاتك، فأعدت لنا الثقة والأمل بغد عربي أفضل.

لا، لم تنم "نواطير مصر عن ثعالبها"، فتمصـّروا يا عرب!

 

ثورة ، من نوع جديد...

مثل كل الناس، من المحيط الهادر (سيهدر!) إلى الخليج الثائر (سيثور!)، أدمنت مشاهدة التلفزيون على مدى 18 يوما. أغرقتني التحليلات والمواعظ التي جاد بها المحللون. ووجدتني أصرخ أحيانا، أن خفـّفوا الصوت وكفوا عن الكلام، وأنصتوا وأصغوا لميدان التحرير وتعلموا منه. مصر، في لحظة مخاض، وتتكلم... ثورة.

هذه ثورة لم يعرف التاريخ مثيلا لها. هي الأصل الذي سجـّل سابقة تاريخية ستصبح نموذجا يستلهمه "وينسخ" عنه كل دعاة الثورة والتغيير والتقدم في العالم بأسره، جنوبه وشماله – بلدان فقره وبلدان تخمته.

هذه ثورة سلمية وبيضاء، وإنسانية وأخلاقية ونظيفة. هي ليست ثورة طبقة، ولا ثورة طليعة ثورية، أو حزبية منظمة، ولا انقلابا عسكريا لضباط أحرار، ولا نتاجا لإلهام قائد مفكر ومنظـّم فذ، ولا فعلا أيديولوجيا محكما ضاغطا وموجها من خلال أقفاصه الفكرية. إنها ثورة عودة الروح، واستعادة الذات لذاتها، وعبور حاجز الخوف والترهيب، وتفجير بركاني لطاقات إنسانية خلاقة، وإطاحة بغربة الإنسان عن إنسانيته ودولته ومواطنته ومجتمعه. هذه ثورة اغتسل فيها المصريون وغسلوا كل العرب من إفرازات قذرة لثقافة الاستبداد والخوف والخنوع والعجز، وتغييب العقل والتهميش، التي زرعها فيهم وفينا حكام جعلوا الدولة والشعب والثروات ملكية خاصة لهم ولعائلاتهم وشلـّة الحرامية.

هذه ثورة لم يجترحها "حزب من نوع جديد"، بل شعب قرر أن يجدّ ويتجدد. وهي جماهيرية مدنية وشعبية باتساعها وبعدها الجغرافي وشموليتها لمختلف الشرائح الاجتماعية. لم يشهد تاريخ العالم وثوراته خروج الملايين يوميا على مدار 18 يوما، دون سلاح، لصناعة ثورتهم. إنها ثورة كل الناس. الشعب كله نزل إلى الشارع وكتب التاريخ في بث حي متواصل لحظة بلحظة، ودوّن بهذا فصلا جديدا في تاريخ مصر والعرب عموما، وفي كتاب التاريخ العالمي عن علم الثورات.

هذه ثورة عفوية ودون تخطيط مسبق. أصلا هي أصبحت ثورة (المطالبة بسقوط النظام) عبر مرور الأيام وتطويرها لتكتيكها واستراتيجيتها ومطالبها يوما بعد يوم، ووسط ابتكار أشكال عمل وسلوكيات وطرق جمع للناس وتعاضد اجتماعي، لا مثيل سابق لها في الثورات. هي لم تصبح ثورة من خلال الاستيلاء العنيف على معاقل السلطة، ولم تصدر "البيان رقم واحد"، وإنما أسقطت السلطة من خلال استمراريتها وهيمنتها الثقافية على عموم الناس... الذين لم يـُبقوا أي بديل أمام النظام إلا السقوط المدوي. كانت هذه ثورة قادها الذكاء الجمعي لقيادة جماعية وُلدت في ميدان التحرير، لا يعرف الناس أسماء أعضائها...

هذه ثورة غير عنيفة، بل نبذت العنف ولم تنجر وراء مقترفيه بحقها. هل سمعتم عن ثورة لم تلجأ للعنف، وإنما تنظف ساحات وشوارع اعتصامها وتعقد الندوات والاحتفالات الأدبية والفنية؟ هي لا تصطدم بالجنود، وإنما تغمرهم بالترحاب والأغاني الوطنية وبالضيافة والقبلات والورود، وتلقي بين أذرعهم أطفالها لالتقاط الصور، وتكتب شعاراتها على صفائح الدبابات، وتلف الجنود بأعلام الوطن. هذه ثورة مدنية ومتمدنة وحضارية وإنسانية، رفعت مطلب الديمقراطية والتعددية والحوار والتفاوض، ليس في مواجهة الآخر – الخصم فقط، وإنما اعتمدته داخل صفوفها وإزاء ذاتها أيضا.

هذه ثورة أناس، أفراد، أعادوا اكتشاف أنفسهم بأنهم شعب حي يتمتع بقوة قادرة على شلّ قوة الحاكم وزمرته ومؤسسات دولته. فكسروا حاجز الخوف وقبروه باللاعنف وبليونة... صارمة.

وجنبا إلى جنب هذه الليونة الحضارية المنقطعة النظير، امتاز الشباب – الثوّار- بعناد مبدئي وإصرار فولاذي على عدم التراجع عن أي مطلب من مطالب الثورة. حدث هذا في الوقت الذي كادت تقع فيه في شراك التراجع أحزاب وطنية مخضرمة ومجرّبة وصاحبة خبرة...

هذه ثورة لم تستول على السلطة ولم تنصـّب أشخاصها رؤساء لها ولوزارتها. بل مهّدت طريق السلطة لقيادة ينتخبها الناس بانتخابات رئاسية وبرلمانية حرة في ظل دستور ديمقراطي جديد. لم يصنع هذه الثورة عسكر قاموا بعد الانتصار بتسليم السلطة إلى الناس (وعادة لم يسلموها بل استلموها)، وإنما صنعها الناس وسلموها لقيادة مرحلة انتقالية محددة الزمن حتى الانتخابات العامة، مشترطين الالتزام بتنفيذ أجندتها، وإلا...! فميدان التحرير في المرصاد، وبالإمكان تفعيله، والطريق إليه معروف ومشرّع بحكم الشرعية الثورية لإرادة الناس. نعتز بعروبتنا وبك يا شعب مصر ونحن نراك تؤلف سفراً – إصحاحاً – سورة جديدة في توراة وإنجيل وقرآن الثورة.    

هل هذه ثورة ما بعد انهيار الصراع والحرب الباردة بين معسكرين، رأسمالي واشتراكي؟ أم ثورة عصر العولمة؟ أو ربما ثورة مرحلة نضوج المجتمع المدني وتعميم القيم والأخلاقيات الإنسانية العامة بكل ما يخص حقوق الإنسان والحرية الجماعية والفردية للبشر، بصفتهم بشرا، وللإنسان بصفته ذاتا تريد أن تحقق ذاتها وتكون فاعلة لا مفعولا بها، بعد أن اكتشفت كونها شعبا؟

لست عالما لأضع تعريفا علميا دقيقا لهكذا ثورة ابتدعها أبناء عروبتي. وقد يكون التعريف شاملا لكل ما ورد في الفقرة أعلاه. لكن ما من شك عندي أن علماء ومفكري أكاديميات التاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والإعلام سيضعون عشرات المؤلفات في دراسة هذه الثورة والتأريخ لها، وسيدرّسونها.

كلنا طلابك، يا أستاذنا يا شعب مصر.

 

الثورة مستمرة...

سقط الرئيس، لكن لم يسقط بعد مجمل النظام. انتهت المرحلة الأولى للثورة. بدأت المرحلة الثانية والأصعب. فالبناء أعقد بما لا يقاس من الهدم. نحو أي نظام نحن سائرون، ونريده أن يكون وساما على صدر مصر، ونموذجا لثورات عربية قادمة في بلدان العرب؟ تلك هي المسألة. إذ أنه بدون إسقاط مجمل المنظومة السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية والإدارية للنظام القديم المستبد والفاسد المفسد، لا يكتمل انتصار الثورة. وكم من ثورة أعقبتها ردّة أو ثورة مضادة. وكم من قيادة جديدة أدعت نقلها البلاد من نظام إلى نظام مبقية على نفس النظام.

الشعب في ميدان التحرير قرر أنه يريد دولته: جمهورية ديمقراطية علمانية ومدنية، ودولة مواطنين متساوين، بصفتهم بشرا وأسيادا لمصائرهم. جمهورية تكون ملكهم وتضمن استقلال القضاء والفصل بين السلطات، والعدالة الاجتماعية، والقيم والمواثيق العالمية لحقوق الإنسان. هذا، إلى جانب – بل هو تحصيل حاصل – إعادة مصر إلى فضائها العربي واستعادة هويتها القومية العروبية ووطنيتها المصرية السيادية.

كما كانت "جمهورية ميدان التحرير"، هكذا ستكون "جمهورية مصر الجديدة". في الميدان تجلت عراقة تاريخ سبعة آلاف عام. وبرزت زبدة جامعة لعراقة الحضارات الفرعونية واليونانية والرومانية والعربية، الوثنية والمسيحية والإسلامية. هنا أصبحت الذات الفردية ذاتا جماعية – شعبا.. أمة. هنا تفاعلت وتوحدت كل حضارات المجتمع المصري بكل شرائحه وطوائفه ومشاربه الوطنية.

يستطيع "آيات الله" في إيران اعتبار ما حدث في الميدان صحوة إسلامية استلهمت الثورة الإيرانية (؟!)، ويستطيع الغرب وحكّام العرب (المنحّين والرابضين على صدورنا) إرهابنا بفزاعة "الإخوان المسلمين". لكن لآيات الله نقول إن ما حدث في الميدان كان صحوة مدنية حضارية، وعلمانية ووحدوية. صحوة لن تسمح "للآيات" باختطافها وقمعها... كما حدث في إيران. أما لحكام العرب الرابضين، (ولا أستثني منهم أحدا)، فنقول: تلجؤون إلى هذه الفزاعة لتثبيت تسلطكم المفزع، ومن باب الخوف من الإطاحة بسلطتكم الإرهابية الرافضة والمانعة لأي تغيير جذري، تقدمي وديمقراطي. وإذا ما كانت قد برزت في دولنا العربية وقويت تيارات دينية أصولية ورجعية وطائفية، فقد برزت على تربة فسادكم وإفسادكم وانهيار فكركم وبرنامجكم "القومي" الدكتاتوري وقمعكم للتيارات القومية والديمقراطية، واليسارية والليبرالية. حتى كاد يظهر أنه ما من بديل لأنظمتكم الدكتاتورية إلا التيارات الأصولية الرافعة للواء الدين، بعد أن نصبت هذه نفسها مالكة وقيـّمة عليه ومفسـّرة له، وأحالته إلى حزب وطائفة.

لا، لم يثر الشباب المصري في ميدان التحرير لبناء دولة شريعة، وإنما للإطاحة بلاشرعية النظام وحكامه، ولبناء جمهورية مدنية ديمقراطية. جمهورية لم نعهد مثيلها في كل "جمهوريات" وممالك وسلطنات العرب، ولم تحققها أية ثورة عربية سابقة. بقيام هذه الجمهورية تنتصر الثورة المصرية حقا، وستلحق بها ثورات وجمهوريات عربية أخرى.

إننا نشهد ولادة شرق أوسط جديد حقا... شرقنا وجديدنا. 

440
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

جاري التحميل