القائمة المشتركة بين المبدأ السياسي والصفقة التقنية: الوعي الجمعي في مواجهة سياسة التفكيك والمقايضة
القائمة المشتركة بين المبدأ السياسي والصفقة التقنية: الوعي الجمعي في مواجهة سياسة التفكيك والمقايضة
الجدل المحتدم اليوم في الشارع الفلسطيني في الداخل حول إعادة تشكيل "القائمة المشتركة" ليس مجرد نقاش موسمي حول توزيع المقاعد البرلمانية أو تحسين شروط المنافسة الانتخابية. إننا نقف أمام لحظة فارقة تتجاوز الحسابات التكتيكية الضيقة، لتلامس جوهر الوجود السياسي والوطني. الخلاف الحقيقي والعميق يدور حول مفهوم "القوة السياسية المشتركة" كأداة لبناء وعي جمعي يحمي الهوية، في مقابل طرحٍ يرى فيها مجرد "مظلة تقنية" لتجميع الأصوات وتسهيل العبور نحو المقايضة السياسية وباحة الائتلافات الحكومية بأي ثمن.
هذا الانقسام في الرؤى يضع الناخب العربي أمام مسارين لا يلتقيان؛ مسار يربط العمل البرلماني ببرنامج سياسي وخطوط حمراء وثوابت وطنية، ومسار آخر يفرغ السياسة من مضمونها الأخلاقي والوطني ليحولها إلى مجرد أداة لإدارة القبول بالواقع التمييزي الفوقي.
المشتركة كبرنامج سياسي: جدية طرح الجبهة وحماية الوعي الجمعي
عندما تصر الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ومعها القوى الوطنية الواعية، على أن أي تحالف أو قائمة مشتركة يجب أن تستند إلى برنامج سياسي واضح وملزم، فإن هذا الطرح لا ينبع من ترف فكري أو عناد أيديولوجي، بل من قراءة دقيقة لخصوصية وتاريخ ومستقبل مجتمعنا.
إن القائمة المشتركة المستندة إلى برنامج سياسي هي الإطار الذي يحول الصوت العربي من مجرد رقم في صندوق الاقتراع إلى كتلة سياسية ووطنية وازنة لها هيبتها. هذا الطرح يهدف بالأساس إلى:
- بناء وتثبيت الوعي الجمعي: تنظيم الناس حول قضاياهم الأساسية كشعب وكأقلية قومية أصلية، وليس كشظايا وطوائف وعائلات تبحث عن فتات الميزانيات.
- تحصين الهوية الوطنية: التأكيد على أن حقوقنا المدنية مشتقة من وجودنا القومي والوطني في هذه البلاد، وليست مكرمة أو هبة مشروطة بالطاعة والانضباط.
- إنتاج قرارات وطنية جامعة: خلق مرجعية سياسية تحمي المجتمع في لحظات الأزمات الكبرى، وتمنع الاستفراد بأي جزء منه.
البرنامج السياسي هو الذي يحدد "الخطوط الحمراء" التي لا يمكن لأي نائب أو حزب تجاوزها؛ مثل قضايا الأرض، مساكن ومستقبل النقب، التصدي لسياسات الاستيطان، الحفاظ على عروبة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، ورفض الحروب وقمع أبناء شعبنا الفلسطيني في غزة والضفة. إنه الضمانة الوحيدة التي تجعل الناخب يعرف تماماً أين سيذهب صوته، وما هي الحدود التي يقف عندها ممثلوه.
المشتركة التقنية: فخ التعددية الشكلية وتمرير المقايضة
في المقابل، يبرز طرح القائمة الموحدة (الحركة الإسلامية الجنوبية) بقيادة منصور عباس، والذي يدعو إلى "مشتركة تقنية وتعددية" بلا برنامج سياسي ملزم. هذا الطرح، وإن تلطى خلف شعارات "الواقعية" و"الخصوصية والاتفاق على عدم الاتفاق"، فإنه في جوهره يسعى إلى إزالة أي عائق سياسي أو أخلاقي يحول دون الدخول في أي ائتلاف حكومي قادم، يميناً كان أم يساراً.
إن "المشتركة التقنية" هي الوصفة السحرية لتمرير سياسة المقايضة وتفكيك الإجماع الوطني. فغياب البرنامج السياسي يعني ببساطة:
غياب المحاسبة الجماهيرية، وغياب الخطوط الحمراء، وإعطاء شرعية مسبقة للتنازل عن الثوابت الوطنية تحت لافتة "تحصيل الميزانيات".
بهذا المعنى، تصبح القائمة المشتركة مجرد وسيلة تجميعية تخدم نهجاً سياسياً يريد استخدام أصوات الجماهير للدخول إلى ائتلافات يسيطر عليها خطاب صهيوني فاشي وإقصائي، دون الاضطرار للإجابة على الأسئلة الجوهرية والوجودية.
نهج الموحدة: خطورة كسر المفاهيم والتنازل عن الثوابت
إن خطورة النهج الذي تبنته الموحدة في تجربتها الائتلافية السابقة، والذي تسعى لتكراره، لا تكمن فقط في التصويت الفعلي ضد قضايا أساسية ومصيرية لمجتمعنا (مثل التصويت ضد لم شمل العائلات، وضد قانون تخليد مجزرة كفر قاسم، ومع توسيع صلاحيات الشرطة وقمع الاحتجاجات)، بل تكمن في الخطاب التبريري الخطير الذي يرافق هذا النهج.
لقد تجلى هذا الانحدار في التصريحات العلنية لرئيس الموحدة، منصور عباس، حين حاول مراراً التنصل من المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه شعبنا الفلسطيني، مردداً ما معناه أنه "ليس مسؤولاً عن قصف غزة أو ضم الضفة، فهذه مسؤولية رئيس الحكومة"، وأن وجوده في الائتلاف يقتصر على قضايا داخلية مثل "مكافحة العنف وتزفيت الشوارع".
هذا المنطق يمثل خطراً وجودياً على مكانتنا لأنه يعيد إنتاج المفاهيم التالية:
- عزلنا عن شعبنا الفلسطيني: تحويلنا إلى جماعة منفصلة تماماً عن محيطها، بلا ذاكرة سياسية، وبلا أي تضامن إنساني أو وطني مع قضيتنا الأم، وكأن ما يحدث لأبناء شعبنا في غزة والضفة لا يعنيني.
- تخطي الخطوط الحمراء بالكامل: القبول بالانضواء تحت حكومات تمارس القتل والاستيطان ومصادرة الأراضي، مقابل وعود بميزانيات وهمية أو جزئية، مما يعني شرعنة هذه السياسات بالصمت والانضباط الائتلافي.
- تسويق "الدونية": تحويل الفلسطيني في الداخل من صاحب حق أصيل ينتزع حقوقه بكرامته السياسية، إلى "رعية" تطلب الهبات والمكافآت مشروطة بـ "حسن السلوك" السياسي والمدني.
من المقايضة الفردية إلى فرض "بيت الطاعة" الائتلافي: تفكيك الخطاب الأخير لمنصور عباس
حين نتابع تصريحات رئيس القائمة الموحدة الأخيرة—وخصوصاً حديثه لـ "راديو الناس"—نكتشف أننا لم نعد نقف فقط أمام نهج يبرر لنفسه المقايضة والتنازل، بل انتقلنا إلى مرحلة أكثر خطورة؛ مرحلة يسعى فيها هذا النهج إلى إعادة صياغة العمل السياسي العربي بأكمله وفق مقاساته الخاصة، وفرض أجندته على بقية القوى السياسية الوطنية كشرط مسبق لأي تحالف.
عباس يطالب بـ "قائمة تقنية"، لكنه يرفقها بشرط مبطن وعميق: "نريد قائمة تقنية ولكن أيضًا مع تفاهم بشأن الأدوار بيننا، لكي لا نعود لسيناريو تتعاون فيه الأحزاب العربية الأخرى مع الليكود وشاس لإسقاط الحكومة التي ستُشارك فيها الموحدة بالمستقبل".
إن تفكيك هذا التصريح الهادئ يكشف عن تحول بنيوي في عقلية المقايضة؛ فالأمر لم يعد يقتصر على "دعم عيني" لحكومة تمييزية مقابل ميزانيات، بل بات خطة لجرّ الكل الفلسطيني في الداخل إلى خانة الانضباط الائتلافي، وتحويل الحركة الوطنية إلى حارس أمين للحكومات الإسرائيلية، وهو ما يعني بالضرورة جر الجميع لخانته وشرعنة ما يقوم به، رغم أن المهمة الأولى والأصلية للمعارضة هي إسقاط الحكومة، مما يشكل تنازلاً وطنياً صارخاً وتسخيفاً علنياً للعمل البرلماني العربي.
أولاً: قلب العقيدة البرلمانية وتسخيف العمل السياسي
في أي نظام برلماني في العالم، تُعرّف المعارضة بأنها الأداة الرقابية والأيديولوجية التي تسعى، كأولوية أولى، إلى إسقاط الحكومة القائمة لأنها لا تمثل برامجها ولا مبادئها. لكن خطاب الموحدة يحاول قلب هذه البديهية السياسية، ويطلب من الأحزاب العربية الأخرى التنازل طوعاً عن دورها الأساسي كمعارضة. وهذا يؤدي مباشرة إلى شلّ القدرة النضالية البرلمانية وتحويل النواب العرب إلى "شبكة أمان" مجانية لحكومات قد تمارس في ذات اللحظة أبشع السياسات ضد شعبنا، بالإضافة إلى تأميم الموقف الوطني بحيث يُصبح نقد الحكومة من قِبل أي حزب عربي آخر بمثابة "خيانة" للتحالف التقني.
ثانياً: جر الجميع إلى مربع "شرعنة الدونية"
الخطورة الكامنة في هذا التصريح هي محاولة شرعنة النهج بأثر رجعي ومستقبلي. يعلم رئيس الموحدة تماماً أن انفراده بالدخول إلى الائتلاف السابق وضعه في عزلة سياسية ووطنية أمام وعي الجماهير. لذلك، يرى في "المشتركة التقنية المشروطة بتوزيع الأدوار" مخرجاً ذكياً؛ فإذا وافقت القوى الوطنية على هذا "التفاهم"، فإنها تمنحه صك غفران عن كل التنازلات السابقة، وتوقع على بياض للقبول بالتنازلات القادمة تحت شعار وحدة الصف التقنية الزائفة.
ثالثاً: المفارقة الزائفة.. الليكود، شاس، والخطوط الحمراء
يستخدم منصور عباس فزاعة "التعاون مع الليكود وشاس لإسقاط الحكومة" كأداة للابتزاز السياسي للناخب العربي، متناسياً مفارقة جوهرية: هو نفسه من شرعن التفاوض مع نتنياهو والليكود في البداية، وهو من يصرّح علناً بأنه لا يملك فيتو على الجلوس مع أي طرف في الخارطة السياسية الإسرائيلية. إن إسقاط أي حكومة إسرائيلية هو استحقاق طبيعي عندما تتجاوز تلك الحكومة الخطوط الحمراء بالقصف أو الاستيطان أو الهدم، أما المطالبة بحماية هذه الحكومة لمجرد أن الموحدة شريكة فيها، فهو استعلاء على آلام شعبنا.
الخلاصة: أين يذهب صوت الناخب؟
إن السياسة التي بلا خطوط حمراء تتحوّل تدريجياً وبشكل حتمي إلى سياسة بلا موقف، والسياسة التي تقايض الهوية الوطنية بالحقوق المدنية تنتهي دائماً بخسارة الاثنين معاً؛ فلا الوعيد بالاندماج والمساواة تحقق تاريخياً، ولا الكرامة الوطنية صينت.
إن "تفاهم الأدوار" الذي يطرحه عباس ليس تنسيقاً برلمانياً لحماية مصالح الناس، بل هو شرط لاستسلام العمل السياسي الجماعي لفكرة المقايضة؛ إنه يريد قائمة مشتركة تملك صوتاً واحداً في الانتخابات، لكنها تملك خطين سياسيين متناقضين بعد الالتئام: خط يساوم على الهوية والذاكرة في أروقة الائتلاف، وخط مرغم على الصمت لحماية الأول في المعارضة.
هنا يتجلى الفرق الشاع بين المشتركة كـ برنامج سياسي كفاحي يقود الجماهير ويثبت وعيها، وبين المشتركة كـ صفقة تقنية تحول الأحزاب الوطنية إلى رهائن في حسابات البقاء الائتلافي للموحدة. وعلى الناخب العربي اليوم أن يدرك أن صوته في الحالة الثانية لن يذهب فقط لمن يتنازل عن حقوقه الوطنية، بل لمن يطلب من الجميع الصمت والتواطؤ مع هذا التنازل، ليتحول الفضاء البرلماني بأكمله إلى ساحة لتسويق الدونية والخنوع بدلاً من انتزاع الحقوق بكرامة وطنية راسخة.
بقلم : سمير خطيب
عضو سكرتاريا ومكتب الجبهة
عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي

