الطريق الى المشنقة ! أهلا بكم في مملكة اسرائيل - جواد بولس
صادقت الهيئة العامة للكنيست الاسرائيلي يوم الاثنين الفائت على اقتراح قانون عقوبة الإعدام "للارهابيين" لعام 2026؛ وقد أيّد اقتراح القانون 62 عضو كنيست وعارضه 48 عضوا. وكان تبرير من تقدموا بمشروع القانون هو حاجة الدولة لأداة تردع أعداءها وتضمن لها وسيلة حاسمة كفيلة باستئصال "الارهاب الفلسطيني" من جذوره.
لقد أشغلت عقوبة الاعدام، كخيار يجب المحافظة عليه ضمن منظومة التشريعات الاسرائيلية، حكومات اسرائيل منذ تأسيسها؛ وقد خضعت هذه المسألة، قبل الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967 وبعده، الى عدة تعديلات تمّت على مراحل وأفضت في النهاية الى إبقاء عقوبة الإعدام في بعض التشريعات الخاصة بالمجرمين النازيين وبالمخالفات ضد الانسانية، أو في بعض حالات خيانة الدولة والمس الخطير بأمنها وكذلك ضمن القوانين والأوامر العسكرية التي ورثت اسرائيل بعض مضامينها عن أنظمة الطوراىء الانتدابية البريطانية. وبالرغم من وجود هذه البدائل التشريعية، إلا أن إسرائيل لم تستنفدها ضد أي شخص تم اعتقاله وإدانته بتهمة القتل، حتى لو كان قد نفذها بدوافع قومية/"ارهابية" أو إدانته بتهم مقاومة الاحتلال والعمل ضد أمن الدولة. لقد تمّ، في تاريخ القضاء الإسرائيلي، اللجوء إلى حكم الإعدام مرة واحدة، في قضية المجرم النازي أدولف آيخمان الذي أدين في محكمة انعقدت وفق "قانون إنزال العقاب بالنازيين ومعاونيهم لسنة 1950"، بينما لم يتعرض لهذه العقوبة منذ بداية الاحتلال أي من المقاومين الفلسطينيين.
يتسلح معارضو عقوبة الإعدام بعدة حجج عامة، منها: قدسية الحياة وعدم وجود حق لسلبها، إلا للباري، مهما كانت الظروف والمسببات، ووجود احتمال وقوع خطأ في إدانة شخص قد تثبت براءته بعد اعدامه؛ وتغليب الدول ومؤسسات مجتمعاتها المدنية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، مفاهيم الحقوق الفردية الأساسية، وتعريفات جديدة تنظم علاقة الجريمة بالعقاب وتجمع مبدأي معاقبة الجاني مع محاولة إعادة تأهيله لما فيه مصلحة المجتمعات العصرية.
لقد ساهم فهم رؤساء الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والمستشارين القانونيين والخبراء لطبيعة الصراعات القومية والدينية وما يغذّي ذهنيات وعقائد المنخرطين فيها، في دعم خيار عدم تفعيل عقوبة الإعدام ضد من صنّفوا إرهابيين أو أعداء الدولة وأمنها. فأمام أعين هؤلاء وُضعت خلاصات أهم الدراسات التي أجريت في حالات الصراعات القومية والإثنية والدينية المشابهة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتي نفى معدّوها أن يكون لعقوبة الإعدام دور أو وزن في تعزيز دوافع الردع بشكل عام، أو التأثير على عناصر المقاتلين المنخرطين في تلك الصراعات. وفي بعض الدراسات، كتب هؤلاء لحكوماتهم، ثبت أن اللجوء الى عقوبة الاعدام سيزيد من صلابة أولئك المقاومين واصرارهم واستعدادهم للمقاومة حتى بذل آخر أنفاسهم، قبل اعتقالهم وتقديهم الى المحاكمة ! أما في حالة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فسيتحوّل من يُعدمون على مشانق الاحتلال الى شهداء وأبطال في نظر مجتمعاتهم ووفق عقائدهم الدينية؛ ولسوف تصبح مشاهد اعداماتهم مشاعل للمخيلات الشعبية؛ وسيتحولون الى رموز، وتردّد الأجيال أسماءهم في أهازيج يزخر بها الموروث الشعبي، ويحفظها الأطفال والشيوخ في فلسطين.
لوهلة يبدو أن جميع المعطيات والظروف العامة وتلك التي توافقت مع مصالح اسرائيل الأمنية، كما تبنتها المؤسسات الحاكمة، ما زالت قائمة؛ فماذا تغيّر؟
لماذا نجحت القوى التي كانت تدعو الى تطبيق سياسة إعدام "الارهابيين الفلسطينيين" هذه المرّة ؟ لا بل نجحوا باصدار قانون خاص وعنصري بشكل واضح، رغم معارضته من قِبل جهات دولية واسعة وعدة جهات اسرائيلية، ومن قِبل الفلسطينين طبعًا.
لن أتطرق لبنود القانون، الذي لا يخفي مشرّعوه أنه قانون أبرتهايد بامتياز، لاستهدافه الفلسطينيين بالنص واستثناء الجناة اليهود، ولتنكره للقانون الدولي ولأبسط قواعد القانون الجنائي المتعارف عليها دوليا وفي القضاء الاسرائيلي كذلك، ولأنه لا يضمن للمتهمين محاكمات نزيهة وحقهم بالاستئناف على قرارات إعدامهم أمام محكمة استئناف أو أمام أي هيئة عليا أخرى.
معظم الذين تطرقوا لهذه المسألة أحالوا سبب التغيير ونجاح المبادرين بسنّه الى عنصرية الحكومة الإسرائيلية الحالية واستفحال سياساتها الفاشية، والى كونه استحقاقا واجب التنفيذ بين حزب "القوة اليهودية" ورئيس الحكومة نتنياهو. هذه الأراء صحيحة، ولكننا اذا نظرنا بشكل أعمق للتداعيات التي رافقت عملية تشريعه، سنجد أننا نقف أمام آخر فصول عملية طي صفحات دولة إسرائيل "الضحية البيضاء" المتباكية على مذابح العالم، لا سيما مذابح أوروبا، وأمام أوائل مشهد بعث مملكة "اسرائيل الجديدة" في أحضان أنبيائها وفي حماية قوانين شريعتها وأهمها قانون الموت القاضي ان: "من أتى ليقتلك استبق واقتله" وهو ، إذا شئتم قانون الإعدام المقدس.
لقد ألغت اسرائيل عقوبة الإعدام من كتاب قوانينها بعيد إنشائها مباشرة ؛ وكانت مقاصد قيادييها الأوائل، المهاجرين البيض من أوروبا ودول الغرب، أن يمحوا عنها أصباغ ميراث العصابات التي رافقت أنشطة حركتهم الصهيونية في صراعها مع الفلسطينيين، سكان البلاد الأصليين، وأن يقدّموها ككيان عصري جدير بالانضمام "لعائلة" الدول المتحضرة. لم تقتصر مهمتهم باستبعاد عقوبة الإعدام، بل في كل خطوة خطوها على طريق بناء دولتهم؛ فبعد أن ضمنوا تأييد معظم دول العالم، وترسيخ صورة "الدولة الضحية" بدأوا بهندستها وفق تطلعات تلك الدول، فأرسوا قواعد السلطة على مبدأ الفصل بين السلطات، وشيّدوا نظام قضائهم "العادل والمستقل" تحت هالة "سلطة القانون" وهيبة "عدل" محكمتهم العليا، واعتمدوا ديمقراطية الانتخابات العامة وسمحوا لمواطنيهم العرب، أبناء الشعب الذي يقاتلهم، المشاركة فيها وانتخاب ممثليهم في برلمانهم الصهيوني، وما الى ذلك من خطوات شكّلت صورة اسرائيل المرغوبة في مخيال تلك الشعوب ولدى حكامها.
مرّت السنون وقامت الحروب واحتلت اسرائيل ما احتلته من بلاد العرب وبنت "قفار شهواتها" وجيشًا ونظامًا أمنيا "اسبارطيا". ثم تبدلت أحوال الناس فحدث الانقلاب الاول الذي قاده الساحر الأكبر، معلم نتنياهو مناحيم بيغن، فرفع رؤوس "اليهود العرب" المسحوقين، وحرّضهم ضد "سادتهم المتعالين اليهود البيض" وصاغوا معا شعار "من أجل إعادة المجد القديم". وبدأت الحكاية وخرج المارد من قمقمه الى رحاب إسرائيل الجديدة.
إسرائيل اليوم لم تعد ابنة أوروبا البيضاء ولا تريد أن تكون عشيقتها. إنها وطن شعب الله المختار، شعب الأسياد ليس فقط على من يسكن أرضهم بل على كل من هو ليس يهوديا نقيا. وهي، بحسب هذه الحكومة، مملكة قوية ودستورها "سلاح جوّها" وتوراتها والشريعة. لا يوجد ضرورة ولا حاجة بعدُ لتجمّلها بديمقراطية هجينة بفكرها وبمؤسساتها وبفقه قوانين أغيار دخيلة. إنها اسرائيل الوعد والعهد التي أعدّ لها الله فرصة كي تعيد مجد أنبيائها وتحيي قوانين ملوكها ورميم عظام سيوفهم، وليذهب العالم الى هيئة أممه المتحدة أو الى جحيمه.
حاول بعض المعقبين، من باب " تطبيع" خطورة قانون الإعدام مع وحشية ممارسات الجيش وكتائب المستوطنين وتهدئة الخواطر، أن يدّعوا بأنّ هذا البلاء لا يضيف فجعا على ما هو موجود؛ بيد ان الحقيقة مغايرة، فجرائم الدولة والعصابات تخضع للشجب والادانة كممارسات غير قانونية وفاقدة لأي شرعية أو تبرير ، بينما سوف تستظل "جريمة " الاعدام بفيء "قانون" و"عدالة" حتى وان كان القانون باطلا والعدالة عمياء.
في فلسطين يشعرون بالفرق وبفداحة الخطر، ويحاولون مواجهته بكل ما "ملكت أيديهم". أما عندنا فقد توجهت بعض المنظمات الحقوقية بالتماس الى محكمة العدل العليا طالبت فيه تجميد العمل بالقانون والنظر بالغائه كليا.
لن أراهن على نتيجة هذا الالتماس، لكنني أشعر انه في كلا الحالتين سوف تكون حكومة اسرائيل هي الرابحة، فوزراؤها واثقون بأن عهد عدل محاكم بني البشر قد ولّى وقد حان عهد محاكم الرب وأحكامه؛ والغد لناظره قريب.

