يرحل جنكيز خان وسيرحل ترامب، ويبقى القول ما قال يسوع - جواد بولس
أثار تصريح بنيامين نتنياهو الذي قارب فيه بين شخصية القائد المغولي جنكيز خان وشخصية يسوع المسيح موجة واسعة من الجدل، لا بسبب غرابته الظاهرة فحسب، بل لأن تشبيهه كان مفاجئًا ومستفزًا ودفع البعض للغوص أكثر لفهم بنية خطاب نتنياهو وما هي مصادر مفاهيمه وقناعاته السياسية والاخلاقية التي تتحكم في قراراته وخياراته في ادارة الصراعات.
لم يلجأ نتنياهو الى ذلك التشبيه صدفة؛ ولا يمكن التعامل معه كزلة لسان أو مجرد استعارة عابرة؛ فقد قال ما قال بالانجليزيه وهو يعرف أن العالم كله سيسمعه، لا سيّما دونالد ترامب ومن يحيطه من المسيحيين الصهاينه، ومسيحيين آخرين هنا وفي العالم؛ سوف يسمعونه ويؤيدونه ولن يجرؤوا على انتقاده. فهم مثله يؤمنون بالاستبداد وبضرورة استعمال القوة مهما كانت تحدياتها الاخلاقية قوية وواضحة، ويؤمنون كذلك، هكذا وفق "تعاليم الأمير" أو إمبراطور هذا الزمن، بأن "الغاية تبرر الوسيلة" خاصة إذا كانت المواجهة بين "الأشرار" ، وهم في حالتنا ايران وقبلها الفلسطينيون وخاصة حركة حماس، وبين "الطيّبين" وهم في حالتنا أمريكا واسرائيل وحلفاؤهما من عرب ومن عجم، مسلمين وهندوسيين. لقد كشف موقف نتنياهو عن رؤية متكاملة كان يؤمن بها منذ يومه الأول في الحكم، ولجأ اليها كلما كانت تصطدم مصالحه وقدرات قوته العسكرية مع موجبات شرعة الأخلاق ومحاذير القيم الانسانية، أو حين كان يشتبك الدين والسياسة في صياغة مبررات الفعل السياسي.
لقد ثارت العاصفة بعد أن قال نتنياهو في معرض إجابته لاحد الصحفيين أنه "لا توجد أفضلية ليسوع المسيح على جنكيز خان، لأنه إذا كنت قويًا بما فيه الكفاية، وبلا رحمة بما فيه الكفاية فان الشر سوف يتغلب على الخير"، ثم أضاف لاحقا: "لا خيار لديكم، إذا كنتم تنظرون الى العالم في هذه الأيام، يجب أن تكونوا عميان كي لا ترَوا أن الديمقراطيات التي تقودها الولايات المتحدة مجبرة على أن تعيد بناء اراداتها كي تستطيع الدفاع عن أنفسها". لقد انقسمت التعقيبات على هذا التصريح بين من اعتبره زلة لغوية غير محسوبة أو ربما قد أسيء فهمها، وبين من رأوه مساسا بشخص يسوع المسيح؛ فالمقاربة كانت مباشرة ولم تترك فسحة لمن سمعها إلا أن يستعيد ما علق بالمخيال الشائع وبما نمّطته الكتب التي سطّرت تاريخ الشرق وفيها حُفظت صورة المسيح، حتى بين غير المسيحيين، كرمز للسلام وللمحبة، بينما حُفظت شخصية جنكيز خان كغازٍ دموي لا يرحم.
قراءة عميقة لهذا التصريح وما تلاه من توضيحات وتبريرات، تكشف ما هو أبعد من مجرد أزمة لغوية أو أخلاقية أو التباس حول نية السياسي وفكره؛ فحين يقارب نتنياهو بين هاتين الشخصيتين فإنه عمليا لا يسعى الى الموازنة بينهما بقدر ما يعيد تحديد موقعه الى جانب جنكيز خان كنموذج للقوة الحاسمة التي لم ويجب الا تتردد في استخدام القوة المطلقة لاعادة تشكيل العالم ودوله التي يصفها بالديمقراطيات المهددة. انه لا يلجأ للموازنة العلمية بين الشخصيتين، وإن كان قد عزا القول للمؤرخ العالمي بول ديوارت، بل كان يستحضر شخصية المسيح في سياقها الديني وفق الرؤية اليهودية التقليدية التي لا تعترف به مخلّصًا، بل شخصية تاريخية تركت نهجًا وتعاليمًا وأخلاقيات لا أفضلية لها على نهج وأخلاقيات شخصية تاريخية أخرى هي جنكيز خان !
لا يمكننا تناول هذه الحادثة بدون أن نستحضر تصريح بنيامين نتنياهو في شهر سبتمبر/أيلول الماضي حين أعلن أنه يريد أن تكون اسرائيل دولة شبيهة "بسوبر اسبارطة" التي خلدها التاريخ نموذجًا للمدينة/الدولة العسكرية القوية المعتمدة على اكتفاء اقتصادي ذاتي وعزلة عن سائر مدن/دول ذاك العالم.
لسنا في معرض الحديث عن تاريخ اسبارطة وعن حروبها حتى سقوطها وهي معزولة في نهاية المطاف؛ وهي الحقيقة التي استفزت معارضي نتنياهو داخل اسرائيل ودفعه لتوضيح ما قصده من وراء تلك الاستعارة ووقفها على أمنيته بجعل اسرائيل قادرة على تزويد نفسها بالمعدات والقوة العسكرية وما يتبعها.
في الحالتين نراه يطلق موقفه ويعقبه بالتوضيح والتحفظ بعد أن يكون قد رمى سهامه وأوصل رسائله لعناوينها المختلفة، من أعداء ومن أصدقاء؛ وفي نفس الوقت يزوّد حلفاءه بهوامش اعتذارية تبريرية هشّة كي يقفوا عليها وقفة المتفرجين أو العاجزين أو المتواطئين كما حصل في هذه الحالة وفي جميع الحالات التي تعرضت فيها الرموز المسيحية والأماكن المقدسة المسيحية للمهانة أو للاعتداءات.
لن تتسع هذه العجالة لجرد قائمة الاعتداءات والاهانات التي تعرضت لها الرموز والأماكن المسيحية في اسرائيل وفي فلسطين المحتلة. لقد حظي بعضها باهتمام رؤساء الكنائس فاكتفوا بشجبها والتنديد فيها. أمّا تصريح نتنياهو الأخير لم يحظ بأي ردود فعل من معظم رؤساء الكنائس المحلية والعالمية، بالرغم من خطورته، بالنسبة لهم، ومساسه بشخصية يسوع وتعريضها للمهانة وللتصغير. قرأت موقف المطران عطالله حنا الذي وصف تصريحات نتنياهو بالخطيرة، وكذلك قرأت ادانة راعي كنيسة الميلاد الانجيلية اللوثرية في مدينة رام الله القس منذر اسحق الذي أكد على أن المقارنة التي تمت تمثل "محاولة صريحة لوسم الرسالة المسيحية بالسذاجة وأنها تسخر من أخلاق يسوع" وكذلك فعلت "اللجنة الرئاسية لشؤون الكنائس في فلسطين" حيث أدانت التصريحات بشدة واصفة اياها "بالاساءة الخطيرة". نحن أمام ظاهرة مؤسفة ومستفزة، فخطورة ما صرّح به نتنياهو وجبت أن تدفع كل كنيسة واكليروسها للاعتراض عليه أو شجبه أو على الأقل للتحفظ منه. أقول هذا لا بسبب المقارنة التي أجراها نتنياهو وحسب، إنما بسبب أقواله اللاحقة التي استعان بها كي يشرح مقصده وهو أن بالاخلاق وحدها لا تسود الحضارات "فالحضارة الراقية بأخلاقها تحتاج للقوة كي تدافع عن نفسها". هكذا قال وحاول أن يبرر لماذا لا أفضلية عنده ليسوع على جنكيز خان.
لم تحظ أقوال نتنياهو بالتنديد من رؤساء الكنائس العالمية ولا من أولئك الذين يتسيّدون كنائسنا المحلية، لكنها لم تلفت للأسف أيضًا أنظار الأطر والمؤسسات غير الدينية التي كان الاحرى بها أن تتحرك وتندد بأقواله التي تبرر عمليا فلسفة القوة والبطش العسكري الذي تمارسه حكومته تحت ذريعة الانتصار على الشر؛ إلا إذا آمن بعضهم مثل نتنياهو وقدوته، جنكيز خان.
لقد كان متوقعًا ألا يتجرأ رؤساء الكنائس في العالم وفي منطقتنا على التعرض لأقوال نتنياهو، لأنهم كانوا دائما على ضفة ذاك "القيصر" وتحت إمرة عصاته، فما بالكم والحرب الجارية ليست بينه وبين ايران وحسب، إنما بين أمريكا وقيصرها/هم ويسوعه وبين "شياطين الشرق" المسلمين.
إنه منطق القوة الذي خبره ملوك المناذرة حين ذادوا عن حدود فارس، ومقابلهم حالف ملوك الغساسنة امبراطورية بيزنطة؛ وهو منطق المصلحة والقوة الذي أحيا إمبراطوريات وأماتها قبل جنكيز خان وبعده حتى وصل إلى ورثتهم الحاليين؛ أما قضية يسوع فتلك قضية أخرى؛ قضية حزينة وكبيرة. فيسوع، كما أخبرتكم، كان يحب الناس، وكانوا هم يشعرون أنه معهم. لقد كانوا مؤمنين وأنقياء، لكنّهم لم يدركوا أن يسوعهم قد يصير "أزرق العينين" وأكثر من يسوع، وأن يدّعي حبَّه "قيصر" ويصادقه المنافقون ويحتمي به الدجالون ويسوّقه صيارفة الهياكل الجديدة.
قد يختلف العلماء والفقهاء متى أضاع الشرق يسوعه، وكيف سرق الغرباء هياكله؛ فأنهر الدماء لم تجرها سيوف المغول فقط، بل على طول العصور كانوا يحاربون باسم يسوع يسوعا آخر، وكان يسوعنا، نحن أهل الشرق، يرقد ويبعث من بين الأنقاض وفي صلوات الفقراء. اليوم، وطائرات "بيزنطة" تغير على أصفهان وصواريخ الفرس تمزق سكينة تل ابيب وترعب ليلها، تنام بيت لحم وهي تبكي يسوعها والقدس تحلم بفجره والناصرة تنتظر بشارتها. ينامون في مهده خائفين، كما خاف أهل بغداد من هولاكو، ويرونه بعيدًا عنهم مخبّأً في عباءات كهنة فاسدين وفي جيوب حكّام مارقين يصحبونه في معابدهم ويقلّونه في طائراتهم وهي تقتل أطفالا أبرياء وفقراء.
لطالما أعاد التاريخ مآسيه، فكأني، في هذه الأيام، بعصر جنكيز خان يبعث من جديد، من نار ومن حديد.

