بين المرأة والمجتمع بقلم : سمير الخطيب
5.00 - (1 تقييمات)
نشرت
بين المرأة والمجتمع
بقلم : سمير الخطيب - أفكار وخواطر
تجلس أمام المرآة كل صباح، تُعيد رسم ملامحها بما يُرضي العيون الناظرة. ليست عאישורيونها، بل عيون الآخرين التي حفرت في روحها أخاديد من التوقعات. المرآة لا تعكس وجهها الحقيقي، بل تعكس كل ما قيل لها منذ أن فتحت عينيها على هذا العالم: كوني جميلة، لكن ليس كثيرًا. كوني ذكية، لكن لا تُحرجي أحدًا بذكائك. كوني قوية، لكن احتفظي بضعفك المقبول.
المجتمع يُشبه نحّاتًا ماهرًا، يقف أمام كتلة رخام خام، يضرب هنا ويصقل هناك، يُزيل كل نتوء لا يُناسب التمثال الذي رسمه في مخيلته. والمرأة هي ذلك الرخام، تتألم مع كل ضربة، لكنها تصمت. تعلّمت الصمت منذ الطفولة، حين كان بكاؤها "عيبًا" وضحكها العالي "فضيحة". تعلّمت أن وجودها يجب أن يكون مُهذّبًا، مُنمّقًا، مقبولًا.
في البيت، هي الابنة المطيعة، الأخت الحنونة، الزوجة المثالية، الأم المُضحّية. أدوار تتراكم على كتفيها كطبقات من الثلج، وهي تحملها بصمت، تتجمد روحها ببطء، لكنها تبتسم. الابتسامة أيضًا جزء من الدور. في الشارع، تحسب كل خطوة، كل نظرة، كل كلمة. المجتمع رقيب لا ينام، يُراقب طول فستانها، ارتفاع صوتها، توقيت عودتها.
تحلم أحيانًا بأن تكون حرة. لكن ما معنى الحرية حين يُعاد تعريفها دائمًا لتناسب الآخرين؟ حريتها المسموح بها محدودة بخطوط حمراء غير مرئية، خطوط يُعاقَب على تجاوزها بالنبذ، بالاتهام، بالعار. العار، تلك الكلمة التي تُطارد المرأة وحدها، بينما يعبر الرجل الخطوط نفسها فيُسمّى "شجاعًا" أو "متمردًا".
لكنها لا تستسلم. في أعماقها، ثمة شرارة ترفض الانطفاء. تقرأ، تتعلم، تعمل، تُصرّ على أن تكون. تُحارب بهدوء، بصبر، بإصرار امرأة عرفت أن المعركة طويلة. كل امرأة تدرس، كل امرأة تعمل، كل امرأة تختار، هي ضربة في جدار القيود. الجدار سميك، لكنه ليس أبديًا.
المجتمع يتغير ببطء، بطء مُؤلم، لكنه يتغير. والمرأة، تلك الكائنة التي حاولوا حصرها في قوالب جاهزة، تُثبت كل يوم أنها أكبر من كل قالب، أعمق من كل تعريف، أقوى من كل قيد.
بين المرأة والمجتمع، معركة قديمة قدم الزمن. لكن هذه المرة، المرأة لا تقاتل لتُهزَم، بل لتُعيد كتابة القصة بنفسها. قصة لا تُملى عليها، بل تُمليها هي. قصة امرأة إنسان، ليست أقل ولا أكثر. إنسان يستحق أن يعيش، لا أن يُعاش.
#الثامن_من_آذار #عيد_المرأة #يوم_المرأة_العالمي

