ما بين بايدن والحرير, صراع ممرات وتغيير مصير بقلم: سمير الخطيب
القول أن اسرائيل جرت الولايات المتحدة للحرب ضد ايران هو تبسيط للوقائع، انها حرب امبريالية غربية اقتصادية على الهيمنة والسيطرة على موارد الطاقة وطريق مرور البضائع والتي تتلاقى مع المصالح الاسرائيلية في بناء شرق أوسط جديد تفرض فيه اسرائيل هيمنتها وتحقق أهدافها الاسترتيجية "التوراتية" في بناء اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات .
لفهم ما يجري اليوم لا يكفي النظر إلى الأحداث كصراع عسكري محدود بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. ما يحدث في جوهره هو صراع على شكل النظام الاقتصادي العالمي وعلى من يملك مفاتيح الطرق التي تمر عبرها الطاقة والبضائع في القرن الحادي والعشرين. فالتاريخ يعلمنا أن السيطرة على الطرق التجارية كانت دائماً أحد أهم مفاتيح الهيمنة العالمية، من طرق الحرير القديمة إلى طرق البحار التي سيطرت عليها الإمبراطوريات الأوروبية في العصر الحديث.
في هذا السياق يمكن فهم ما يمكن تسميته مجازاً "طريق بايدن". هذا المشروع يقوم على إعادة هندسة الممرات الاقتصادية في الشرق الأوسط بحيث تربط الهند بالخليج ثم بإسرائيل ومنها إلى أوروبا. الهدف ليس اقتصادياً فقط، بل جيوسياسي أيضاً، إذ يسعى إلى تثبيت موقع إسرائيل كمحور مركزي في حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وإلى إبقاء المنطقة ضمن منظومة النفوذ الغربي في مواجهة الصعود الآسيوي.
لكن هذا المشروع يصطدم بعقبة جغرافية وسياسية كبرى هي إيران. فإيران ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل عقدة جغرافية تقع في قلب الطرق البرية التي تربط آسيا الوسطى بالصين وبالشرق الأوسط وبأوروبا. وجود دولة قوية مستقلة في هذا الموقع يجعلها لاعباً أساسياً في أي معادلة اقتصادية إقليمية.
وهنا يظهر المشروع المقابل، أي "طريق الحرير" الذي تقوده الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق. هذا المشروع يسعى إلى إعادة بناء شبكة التجارة البرية والبحرية بين آسيا وأوروبا عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وفي هذه الشبكة تحتل إيران موقعاً محورياً باعتبارها جسراً جغرافياً بين الشرق والغرب وممراً أساسياً للطاقة والسلع.
بمعنى آخر، إذا كان "طريق بايدن" يسعى إلى إعادة توجيه طرق التجارة عبر الخليج وإسرائيل، فإن "طريق الحرير" يمر عبر آسيا الوسطى وإيران وصولاً إلى تركيا وأوروبا. وهنا يتحول الشرق الأوسط مرة أخرى إلى ساحة صراع بين مشروعين اقتصاديين عالميين.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الحرب على غزة. فهذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل محاولة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني نفسه. الهدف الفعلي يتجاوز المعركة العسكرية إلى محاولة حسم القضية الفلسطينية عبر تقليص وجود الشعب الفلسطيني قدر الإمكان، ودفعه نحو الهجرة أو نحو الانشغال بالبقاء اليومي، بحيث تتحول القضية الفلسطينية من قضية تحرر وحقوق تاريخية إلى قضية إنسانية ومعيشية.
فالمشاريع الاقتصادية الكبرى تحتاج إلى بيئة مستقرة يمكن الاستثمار فيها. الطرق التجارية العالمية لا تعمل في مناطق مشتعلة بالصراعات المفتوحة. لذلك يصبح "الهدوء" شرطاً أساسياً لنجاح أي مسار اقتصادي إقليمي. ومن هنا يمكن فهم أن إنهاء القضية الفلسطينية أو تهميشها يشكل أحد الشروط السياسية لنجاح هذا المشروع الإقليمي الجديد.
في ضوء ذلك يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما قد تؤول إليه الحرب الحالية.
السيناريو الأول هو التصعيد الكبير. في هذا السيناريو تتوسع الحرب وتدخل فيها قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين بشكل مباشر أو غير مباشر. لكن هذا الاحتمال يبقى ضعيفاً لأن مثل هذا التصعيد قد يقود إلى مواجهة عالمية واسعة لا ترغب أي من القوى الكبرى في الوصول إليها.
السيناريو الثاني هو تدمير إيران وإضعافها إلى درجة الانهيار الداخلي، ما قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية تؤدي إلى تقسيمها أو تفكيكها. لكن التجارب الحديثة في العراق وليبيا تظهر أن إسقاط الدول دون وجود بديل مستقر غالباً ما يؤدي إلى الفوضى الطويلة الأمد وليس إلى الاستقرار الذي تسعى إليه القوى الغربية.
أما السيناريو الثالث فهو أن ترتد الحرب اقتصادياً على الغرب نفسه. فالتوتر في الخليج وتهديد طرق الطاقة قد يؤديان إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز، كما قد يضرب سلاسل الغذاء والطاقة العالمية. وفي عالم يعاني أصلاً من تضخم وأزمات اقتصادية متتالية، قد يصبح استمرار الحرب مكلفاً سياسياً واقتصادياً للولايات المتحدة وحلفائها، ما يدفعهم في النهاية إلى التراجع أو البحث عن تسويات جديدة.
في النهاية، ما يجري اليوم ليس مجرد حرب إقليمية، بل جزء من تحول أوسع في النظام العالمي. العالم يعيش مرحلة انتقالية تتراجع فيها الهيمنة الغربية التقليدية وتبرز فيها قوى جديدة في آسيا وأوراسيا. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية غالباً ما تتحول مناطق مثل الشرق الأوسط إلى ساحات صراع بين المشاريع الكبرى.
لكن الحقيقة التي لا تتغير في كل هذه التحولات هي أن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر. فالحروب التي تُخاض باسم الأمن أو الاستقرار غالباً ما تكون في جوهرها صراعاً على الطرق والموارد والأسواق. وبين طريق بايدن وطريق الحرير يضيع مصير منطقتنا مرة أخرى في قلب صراع عالمي أكبر منها بكثير.

