لم تعد غاضبة… لكنها لم تعد قادرة بقلم: سمير الخطيب
منذ أن عاد سامر إلى بيت أمه، لم يتغيّر شيء في البيت. وهذا بالذات كان المشكلة.
البيت لا يزال هو ذاته: الخزانة بجدارها الشمالي، العتبة التي تئنّ تحت الخطوة، رائحة الهيل في المطبخ حتى حين لا يُغلى قهوة. والساعة على الجدار تمشي كما مشت دائمًا، لكنها صارت تُزعجه. أو ربما كان يستمع إليها للمرة الأولى.
"فترة قصيرة يا أمي… فقط أرتّب أفكاري."
صمت قليلا ثم أكمل
"لدي مشكلة مع ندى"
كانت أمينة واقفة في المطبخ وظهرها إليه، تُكمل ما بدأته قبل أن يدخل. لم تستدر فورًا. تعلّمت أن المسافة الصغيرة أحيانًا أرحم من الجواب السريع.
فكّرت: الأفكار لا تُرتَّب مثل الخزانة. الأفكار، حين تتكاثر، تُغرق صاحبها لا تُنجده. لكنها لم تقل ذلك. منحته ما لم يطلبه: الوقت.
أعطته غرفة الضيوف. السرير فيها أبيض وصارم كغرفة في مستشفى جديد. كان ينام عليه كما ينام المسافر في فندق لا يريد أن يتأقلم معه: مُستلقيًا، لا مُستريحًا. حقيبته بقيت نصف مفتوحة على الكرسي بجانب الباب، كأنه يرفض أن يأذن للبيت بأن يُصدّق وجوده.
* * *
في النهار، كان يتظاهر بالانشغال. هاتف، مكالمة قصيرة، صمت طويل يُشبه الهاتف نفسه حين يُغلق الشاشة.
وفي الليل، كانت أمينة تسمع خطواته في الممرّ. لم تكن خطوات رجل يذهب إلى مكان. كانت خطوات شخص يريد أن يتعب جسده حتى يسكت عقله، فلا يجد أن الجسد يُسعفه. كان يمشي ويعود إلى نفسه، كحصان يدور في حلقة داخل حظيرة لا باب لها.
ليلى، أخته الصغرى، كانت تراه ولا تسأل. تعلّمت مع الوقت أن الأسئلة، حين تُطرح في اللحظة الخاطئة، لا تفتح بابًا بل تُغلق نافذة.
تجلس معه في الصالون، تُتابع شيئًا على الشاشة، وهو يحدّق أمامه في شيء ليس في الصالون. كانت عيناه في مكان بين الحائط واللاشيء، في تلك المسافة التي لا اسم لها إلا في اللحظات التي يخسر فيها الإنسان شيئًا لا يعرف متى فقده بالضبط.
قالت له ذات مساء، بالهدوء الذي يستخدمه من يقول الحقيقة دون أن يريد للحقيقة أن تُؤلم:
"أنت مش زعلان منها. أنت زعلان من نفسك."
لم يجبها.
لكنه في تلك الليلة لم يمشِ في الممرّ.
* * *
كانت مجرد مكالمة. قصيرة، كما يُفترض بالأشياء الكبيرة أحيانًا أن تكون قصيرة.
جلست أمينة على طرف الأريكة، والهاتف بين يديها كأنه شيء أثقل من وزنه الحقيقي. حين أغلقته، بقي الصوت الآخر في الغرفة دون أن يكون موجودًا.
"هي بخير."
رفع سامر رأسه ببطء.
"ماذا قالت؟"
تلعثمت أمينة لحظة. لم تكن تريد أن تكون ناقلة حكم، ولا جسرًا تعبر عليه الجراح.
"سألت عنك. وقالت إن الأمور أوضح عندها الآن."
"أوضح كيف؟"
وقفت الكلمة بين ضلعين.
"قالت إنها لم تعد غاضبة… لكنها لم تعد قادرة."
هذه الجملة .... رُمِيَت في الهواء فبقيت معلّقة، كغيمة صغيرة فوق غرفة مغلقة.
لم تعد غاضبة. لكنها لم تعد قادرة.
لا شيء أصعب من هذا التحوّل. الغضب له وجه، يمكنك أن تراه وتجادله وتعتذر عنه. أما نهاية القدرة، فهي شيء أهدأ وأشد فتكًا: كنار تنطفئ لا لأن أحدًا أطفأها، بل لأن الوقود نفد.
"وقالت أيضًا: سامر صار غريبًا."
ابتسم سامر. ابتسامة واحدة قصيرة لا حرارة فيها، مثل نافذة تُفتح للحظة في فصل بارد.
"هي التي جعلتني غريبًا."
هنا، صمتت أمينة. ليس لأنها لا تعرف، بل لأنها تعرف جيدًا. الغربة لا يصنعها شخص واحد. الغربة تُبنى حجرًا حجرًا، من كلمة لا تُقال، من اعتذار يُؤجَّل ليوم لا يأتي، من كبرياء يلبس ثوب "المبدأ"، من صمت يُؤخذ على أنه حكمة وهو في حقيقته خوف.
كان سامر قد أمضى الأشهر الأخيرة في دائرة صغيرة من التبرير، يدور فيها بانتظام:
هو لم يخطئ كثيرًا.
هو كان متعبًا.
هو لم يقصد أن يجرح.
هو فقط… لم ينتبه.
وهذا بالذات هو الذي يكسر الأشياء من الداخل: ليس القصد، بل غياب الانتباه. يمكنك أن تُحبّ شخصًا وتُهمله في الوقت نفسه. يمكنك أن تكون حاضرًا جسدًا وغائبًا كلّيًا. وهذا النوع من الغياب لا يُترك أثرًا واضحًا، لا جرحًا يمكن الإشارة إليه، لكنه يتراكم كالتراب على سطح زجاجي حتى لا ترى من خلاله شيئًا.
قال فجأة، كمن يُعلن شيئًا لا يُصدّقه تمامًا:
"أنا ما خنتها. ما رفعت صوتي. ما…"
توقف. كأن الجملة قرّرت ألا تكتمل.
نظرت إليه ليلى وقالت، بثقل من يزن كلماتها قبل أن يُلقيها:
"أحيانًا الغياب ليس فعلا كبيرا. أحيانًا هو أشياء صغيرة… تتراكم. والمشكلة ليست دائمًا فيما قلت. أحيانًا فيما لم تقله أبدًا."
صمت البيت. لكن الصمت هذه المرة لم يكن عدائيًا. كان مثل غرفة انتظار في مستشفى: الجميع يعرف أن شيئًا انتهى، لكن لا أحد ينطق بالكلمة بعد.
في المساء، جلس سامر وحده في المطبخ. فتح درجًا، أغلقه. سكب ماءً في كوب، لم يشربه. نظر إلى المرآة الصغيرة فوق المغسلة فرأى وجهًا لم يره وقتًا طويلًا: وجهه.
كان التعب فيه ليس من الحزن وحده. كان من ذلك الانكسار الصامت حين يكتشف المرء أنه لم يكن سيئًا بما يكفي ليُلام، ولم يكن جيدًا بما يكفي ليُحتفظ به. كان في تلك المنطقة الرمادية التي لا تُلاحظ : لم يكن ظالمًا، لكنه لم يكن موجودا.
قال بصوت أخفض من همس، كأنه يُخاطب شخصًا ليس في المطبخ:
"كنت أظن أن الصمت حكمة."
لم يسمعه أحد. أو ربما سمعه البيت كلّه.
في غرفتها، كانت أمينة مستيقظة تُحدّق في السقف. فكّرت أن كل بيت يحمل لحظة يُخطئ فيها الجميع في الحساب: يحسبون أن التحمّل يكفي عوضًا عن الكلام، وأن الصبر يعوّض الاعتذار، وأن ما لم نجرؤ على إصلاحه اليوم سيُصلح نفسه غدًا بطريقة ما. وهكذا تتراكم الغدوات حتى تصبح أشهرًا، والأشهر حتى تصبح جدارًا.
في الصباح، وجدته جالسًا على الشرفة. لم يكن هاربًا ولا غاضبًا. كان هادئًا بطريقة جديدة، بالهدوء الذي لا يعني نسيانًا بل استيعابًا، مثل بحر بعد عاصفة لم تنتهِ بل انتقلت إلى الداخل.
قال لها دون أن يستدير:
"أمي… يمكن ما في رجعة."
لم تبكِ أمينة. امرأة تعلّمت أن بعض الأشياء تستحق الدموع وبعضها يستحق الوضوح.
"الرجعة ليست دائمًا رجوع لشخص. أحيانًا هي رجوع لنفسك."
نظر إليها طويلًا. نظرة من يبحث لا عن جواب بل عن فهم، لا عمّن يُنصفه بل عمّن يراه كما هو، حتى في تلك الأجزاء التي لا يُحب أن يراها هو نفسه.
* * *
لم تنتهِ القصة بمصالحة. لم يكن مشهد كبير، لا أبواب تُوصد ولا احتضانات تُختتم بها الفصول. فقط انخفض ذلك الصوت الداخلي الذي كان يصرخ في سامر، كإذاعة نسي أحدهم إطفاءها وأخيرًا تذكّر.
وفي البيت، لم يعد الممرّ طويلًا كما كان.
لأن سامر، أخيرًا، توقف عن الهروب من نفسه. ليس لأنه وجد إجابات، بل لأنه قرّر أن يجلس مع الأسئلة دون أن يضطر إلى إسكاتها.
ــــ

