مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

استرينا يا خيمة بقلم: سمير الخطيب

5.00 - (1 تقييمات)
نشرت
112
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

استرينا يا خيمة  بقلم: سمير الخطيب
تحت سماء غزة التي صارت تمييز الفصول بدقة، جلست أم محمود في زاوية ذلك الحيز الضيق الذي تُسميه مجازاً "بيتاً". الخيمة لم تكن مجرد قماش؛ كانت كياناً مترهلاً، مثقوباً، تفوح منه رائحة الرطوبة والغبار المتراكم. كانت هناك "رقعة" زرقاء عند الزاوية اليمنى، استقطعتها أم محمود من فستان ابنتها المهترئ ورقعة أخرى خضراء باهتة عند السقف تخفق مع كل هبّة ريح، تلك الرقعة التي خاطتها بخيط نايلون أزرق اقتلعته من كيس الدقيق لتسد به فجوة أحدثتها شظية تائهة.
"كم أنت صبورة،"
همست بصوت خافت، تخشى أن يسمعها أحد .
" ثقوبك تزداد يوما بعد يوم، وأنا أرقعك بما تبقى من ثيابنا".
مسحت أم محمود بكتفها المتعب على عمود الخشب الذي يسند هذا "البيت"، وهمست:
"استرينا يا خيمة.. استري ما تبقى منا. كوني حنونة علينا وعلى هؤلاء الصغار، حتى تهدأ العاصفة ونعود."
تململ القماش المهترئ، وخرج من بين طياته صوت يشبه صرير الخشب اليابس:
"حتى متى؟ لقد جفّت خيوطي، وصار جلدي رقيقاً لدرجة أن ضوء النجوم يوجعني. حتى متى أسترُ عريَ الأرض تحتكم؟"
ابتسمت المرأة بمرارة، وهي ترتب ما تبقى من أثاث حياتها: بطانية صوفية تآكلت أطرافها، وحقيبة قماشية تضم أوراقاً ثبوتية وصوراً لم يعد لأصحابها وجود، وحجر كبير عليه صفيحة الومنيوم سوداء من الاحتراق، وبجانبها قنينة غاز شبه فارغة تدخرها لليوم الأصعب . قالت بيقينٍ غريب:
"قريباً.. قريباً يا خيمتي. إعادة الإعمار على الأبواب. سنبني الجدران، ونعلق الستائر، وستستريحين أنتِ من عناء الوقوف في وجه الريح والمطر."
تنهدت الخيمة، وارتجف غطاؤها البلاستيكي المرقّع:
"إعادة إعمار؟ تقصدين حتى ينسحب الجيش، حتى تتوقف الحرب؟ أنتِ تبيعينني وهماً كما يبيعه الساسة للناس. أنا أسمع ما تقوله الريح حين تمر عبر ثقوبي.. الريح تقول إن الطرق مسدودة، وإن الوجوه التي رحلت لن تعود لتسكُن الجدران التي تحلمين بها."
قربت أم محمود يدها من شق في القماش، وكأنها تربت على كتف صديق:
"لا تشكي.. لقد حفظتِنا من البرد والمطر ومن عيون الغرباء. وحين تنتهي الحرب، لن ألقي بكِ في النار. سأحفظكِ في صدري، سأطويكِ بعناية وأضعكِ في خزانة بيتي الجديد كأغلى ذكرى."
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت طائرة بعيدة في الأفق. سألت الخيمة بصوت متهدج:
"ولماذا تحفظينني؟ هل سنذهب بعد هذه المجزرة لنخيم في الغابات الخضراء؟ أم سننصب أوتادنا على شاطئ البحر لنشاهد الغروب؟"
لم تُجب أم محمود. نظرت إلى "الغلاية" الصغيرة التي تغلي فوق بضع كسر من الخشب، وشعرت ببرودة تسلل من تحت القماش. الخيمة لم تكن تشك في الأمل، بل كانت تعرف الحقيقة التي تخاف المرأة نطقها: أن اللجوء والتشرد في هذه البلاد ليسا فصلاً في كتاب، بل هو الكتاب كله.
توقفت أم محمود عن الكلام. نظرت إلى الجانب الأيمن من الخيمة حيث الرقعة الأكبر - قطعة من بطانية حمراء متسخة، مخاطة بخيوط مختلفة الألوان كأنها خريطة عشوائية لآمال متناقضة.
"أم...؟"
أكملت الخيمة بصوت أخفت،
"حتى الحرب القادمة؟"
سقطت دمعة واحدة على القماش الأزرق الباهت. امتصتها الخيمة بصمت، كما امتصت آلاف الدموع من قبل، وآلاف قطرات المطر التي تسللت عبر ثقوبها المتزايدة.
رفعت أم يوسف رأسها نحو السماء التي بالكاد تراها عبر القماش المترهل.
"لا أعرف،" همست أخيراً. "لا أعرف."
112
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل