ترانيم في جوف القلق
5.00 - (1 تقييمات)
نشرت
كان الغبارُ يرقصُ في حزمة ضوءٍ شاحبة تسللت من كوةٍ صغيرة في سقف زنزانته المتهالك، وكأنَّ تلك الذرات هي الكائنات الوحيدة التي تملكُ حقَّ الحركة في هذه العزلة المطبقة. جلس يحدق في يديه المتغضنتين، يداه اللتان تشبهان جذور شجرة زيتونٍ اقتُلعت من ترابها، ثم هُمِّشت في زاويةٍ منسية من العالم.
إنها العزلة يا سادة، ليست مجرد غيابٍ للآخرين، بل هي حضورٌ طاغٍ لذلك "الآخر" القابع في أعماقنا، الذي يجلدنا بالأسئلة التي لا إجابة لها. كان يتساءل بمرارةٍ تسكن الوجدان: أين تبدأ كرامة الإنسان وأين تنتهي قدرته على الاحتمال؟ إن هذا المربع الضيق من الجدران الرطبة لم يكن قيداً مادياً فحسب، بل كان برزخاً يسكنه شبحُ ذكرياتٍ قديمة، وصوتُ جارةٍ كانت تبيع الزعتر عند ناصية الحلم قبل أن يبتلعها النسيان خلف هذه الأبواب الموصدة.
كان يشعرُ بخدرٍ في روحه، وهو يراقبُ نملةً تحاولُ جاهدةً جرَّ فتاتِ خبزٍ يابسٍ عبر شقٍّ في بلاط الزنزانة البارد. "يا لها من إرادةٍ ساخرة!" همس لنفسه، وصوته بدا غريباً كأنه آتٍ من بئرٍ عميقة. لقد صار الوقتُ عدواً، دقائقُه تتساقط كقطراتِ ماءٍ باردة على جبينِ محكومٍ عليه بالانتظار الأبدي. العزلة هنا لم تكن خياراً، بل كانت قدراً فُرض عليه ليواجه فيه عري نفسه، ليقف أمام مرآة روحه التي تهشمت إلى شظايا تعكسُ وجوهاً لم يعد يذكرُ أصحابها.
وعلى الرغم من هذا السكون المخيف، كان ثمة خيطٌ رفيعٌ من النور يربطه بالخارج؛ ليس نور الشمس التي غابت خلف الأفق، بل نور تلك القصيدة القديمة التي كان يهمس بها في سره كلما اشتد عليه وطء الوحدة. كان يقول: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، فيشعرُ أنَّ جدران الزنزانة الضيقة بدأت تتسع، وأنَّ العزلة التي كانت تطوق عنقه كحبلٍ من مسد، استحالت إلى فضاءٍ شاسعٍ يسعُ الأحلام المؤجلة.
لقد أدرك في تلك اللحظة أنَّ أقسى أنواع العزلة هي تلك التي نعجزُ فيها عن حب أنفسنا، وأنَّ الانتصار الحقيقي ليس في تحطيم القيود فحسب، بل في العثور على المفتاح الكامن في أعماق العتمة.
سمير الخطيب

