مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

فتات الموائد بقلم : سمير الخطيب

5.00 - (1 تقييمات)
نشرت
114
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

فتات الموائد بقلم : سمير الخطيب
 
جلس كريم على الرصيف المتشقق أمام البناية ذات الأضواء الصفراء، يلتف بمعطفه البالي كمن يحتضن شيئاً ثميناً . كانت ساقاه تؤلمانه من الوقوف طوال النهار أمام إشارة المرور، يمد يده للسيارات اللامعة التي تمر كسفن في بحر لا يعرفه. وقد أعطاه أحدهم عملةً نحاسيةً بعد أن مسح له زجاج السيارة دون أن ينظر إليه، كما يرمي المرء قطعةً من الخبز لحمامة.
لم يكن كريم فيلسوفاً، لكنه كان يفكر كثيراً. يفكر في أن الجوع له صوت خاص به، ليس كالأصوات التي يعرفها الناس. إنه ليس صرير المعدة وحسب، بل هو شيء أعمق، شيء يسكن في العظام ويجعل الرأس ضبابياً كزجاج مبلل. في مثل هذه الساعات كان يرى الأشياء بوضوح مؤلم: كل شيء موجود، وكل شيء بعيد.
مرت امرأة بعطر ثقيل وأكياس تتدلى من يديها. نظر إليها ثم نظر للأرض. تعلّم ألا ينظر طويلاً، فالنظر يتعب العين والمعدة .
في الطابق الثالث من البناية، كانت الأضواء تتقد بسخاء.
لم يكن كريم يعرف أصحابها، لكنه كان يسمعهم منذ أسابيع، في هذه الساعة بالذات، حين يبدأ الهواء يحمل روائح تجعل معدته تنقلب رأساً على عقب. روائح اللحم المشوي والأرز المعطّر والحلوى التي لا يعرف اسمها لكنه يعرف أنها حلوى من طريقة ما تتسرب عبر النوافذ كشيء ناعم ولذيذ في آنٍ واحد.
كانوا يتحدثون بأصوات عالية، ويضحكون، وتُقفل الأبواب وتُفتح، وتصل سيارات أخرى تحمل أناساً بملابس جديدة. كل يوم، في هذه الساعة بالذات، حين يبدأ الظلام.
كريم لا يحقد. هذا ما كان يقوله لنفسه. الحقد يحتاج طاقة، والطاقة تحتاج خبزاً.
في الليلة السابعة والعشرين من جلوسه على هذا الرصيف، أيقن كريم أنه اكتشف شيئاً بالغ الدقة في طبيعة الإنسان.
الإنسان الشبعان يحب أن يُعطي، لكنه يحب أن يُعطي بشروطه، في وقته، وبالكمية التي لا تُنقص شعوره بأنه شبعان. أما الإنسان الجائع فيحتاج كل شيء، وفي كل وقت، لكنه لا يملك من يقرر أوقاته.
فكّر في أمه في القرية. كيف كانت تقول له حين كان صغيراً: "الصبر جميل." لم يكن يفهم. الآن يفهم، لكنه لا يوافق. الصبر ليس جميلاً. الصبر مجرد عجز اعطوه إسماً أنيقاً.
حين دقّت الساعة العاشرة، سمع صوت الباب الكبير يُفتح في الطابق السفلي.
خرجت خادمة بملامح متعبة تحمل كيساً أسود ضخماً. ألقته بجانب الحاوية بحركة من تعوّدت على الإلقاء.
ابتلع كريم ريقه.
ليست المرة الأولى. يعرف الكيس الأسود الضخم. يعرف ثقله الذي يختلف عن ثقل الفقر. ثقله غير متجانس، فيه طبقات: بقايا، وأطباق لم تُكمَل، وخبز لم يُلمَس، وأشياء لا تزال تفوح منها رائحة المائدة الكاملة.
انتظر حتى دخلت الخادمة.
ثم قام ببطء، وتقدّم نحو الكيس كمن يمشي على أرض هشة.
فتحه.
كانت هناك أطباق بلاستيكية مليئة بما تبقى من عشاء لم يكمله أصحابه، ثمة لحم يكفيه ليومين، وأرز، وما يشبه كعكاً ممزوجاً بالعسل لم يجرؤ على تخمين ثمنه. كل هذا رُمي، ببساطة هادئة، كما يُرمى ما انتهى دوره.
جلس كريم على الرصيف من جديد وبدأ يأكل في الظلام.
لم يبكِ. كان قد تجاوز ذلك منذ زمن. لكنه رفع رأسه نحو نافذة الطابق الثالث المضاءة، ونظر إلى الضوء الأصفر الدافئ، وتساءل بهدوء يشبه الغرق: كم طبقاً صنعوا الليلة كي يتركوا له كل هذا؟
ثم انحنى وأكمل.
كان الشهر الفضيل في أوجه، والموائد في أوجها، والرصيف بارداً كما ينبغي للرصيف أن يكون.
114
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل