مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

مواطنة على المحك - جواد بولس

0.00 - (0 تقييمات)
نشرت
34
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

مواطنة على المحك - جواد بولس

منذ اليوم الأول للاعلان عن دولة اسرائيل، ولدت اشكالية المواطنين الفلسطينيين الباقين في وطنهم بوجهيها المعروفَين. الأول، كيف عرّفت المؤسسة الاسرائيلية مكانتهم القانونية كفلسطينيين ناجين من النكبة، وأشكال المساطر العملية والسياسات والأنظمة الرسمية لسبل التعامل معهم "كنزلاء" غير مرغوب فيهم أو "كمواطنين" غير مؤتمني الثقة والولاء للدولة التي تسببت في نكبة أبناء شعبهم. والثاني، يتعلق بكيف عرّفت نفسها تلك الأقلية بعد النكبة وكيف تعاملت قياداتها الاجتماعية والسياسية مع ذاك الكيان الجديد. لقد كانت المسيرة صعبة وطويلة، سُجّلت خلالها عدة مواقف عز وانتصارات قد تكون صغيرة لكنها كانت في حينه مفصلية؛ وسجّلت كذلك نكسات وتراجعات؛ بيد أن أمتحان النهايات يثبت أن أجدادنا، وبعدهم آباءنا ، نجحوا بتذليل الصعاب واتّباع موازين دقيقة عادلت بين كونهم فلسطينيين أصلانيين في وطنهم ومواطنين شرعيين في دولة اليهود.

هذه هي حكاية بقاء مليوني فلسطيني في اسرائيل. بقاء كان وبقي "رهينًا لمحبسين": لهوية قومية عرجاء لم تعرف يومًا مرساها الحصين؛ ولمواطنة ملتبسة، خلقت مشوهة في ظروف استثنائية، وبقيت مهددة تبحث وتتيه بين أفضل وأسلم الوسائط والمضامين.

المواطنة السائلة 

تشهد منطقتنا في السنوات الأخيرة تداعيات لأحداث جسام، وتقف القضية الفلسطينية على أخطر مفترق في تاريخها؛ وبطبيعة الحال نجد، نحن المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل، أنفسنا على احدى هذه الجبهات في مواجهة حكومة نتنياهو التي تخطط لتصفية حساباتها وتحطيم قوالب التعامل التقليدية التي نظمت علاقة الدولة معنا، لا سيما في كل ما يتعلق بمسألة المواطنة وما يترتب عليها.

لم تحظ قضية "المواطنة" بعناية قيادات الأحزاب والحركات السياسية التقليدية والمؤثرة على مواقف ومعتقدات الناس؛ لا سيما إذا افترضنا أنها مسألة، مثلها مثل مسألة الهوية، متغيرة على الدوام وبحاجة للرصد وللرعاية وللمتابعة. لقد برز هذا القصور في ساحتين قياديتين مركزيتين: الاولى في "اللجنة العليا لمتابعة قضايا الجماهير العربية في اسرائيل"، والثانية داخل القائمة المشتركة نفسها وداخل مؤسسات أحزابها المركزية؛ وقد أفضى هذا القصور/ الفراغ الى نجاح سياسات الدولة بتشويش قواعد المعادلة تدريجيا بهدف نسفها كلّيا، وسمح، في نفس الوقت، باستقواء عدة تيارات سياسية واجتماعية دينية أعطت لنفسها حرية الاستنباط وتطوير مفاهيم لأنماط "مواطنات" مشوّشة أو "سائلة" أدت إلى خلخلة مكانة الاجماع النسبي حول تعريف المواطنة كما كان المجتمع يعيش في ظلها ويقبل بحدودها وينصاع لمحاذيرها طيلة عقود خلت.

لقد كانت الحركة الاسلامية أقوى الحركات التي شخصت الوضع واستغلته؛ فحين وقعت هذه المسألة فريسة بين من تخلى عن مواقفه التاريخية ازاءها من جهة، وبين من همّشوها وهاجموها أو قزّموا الحاجة للاحتماء بها من جهة ثانية، تضعضعت مكانتها وخضعت لعدة تشوهات خطيرة. لن نبحث متى وكيف سقط مفهوم المواطنة الأصلي وتراجع أمام شعارات التيارات "المتأسرلة" أو القومية الإقصائية أو الخطاب الإسلامي، خاصة خطاب "الحركة الاسلامية الجنوبية" التي تبنت مؤسساتها وطورت مفهوم "المواطنة الذرائعية". وكما شاهدنا، فقد سوّغ ذلك الخطاب لأصحابه خيار التماهي مع دولة القومية اليهودية، ومشاركتهم في حكومة الحرب والاحتلال وتسويق نمط "المواطن المسلم الاسرائيلي". أقول هذا وأعرف أن رئيس القائمة الموحدة الدكتور منصور عباس أعلن في سخنين باسم الحركة الاسلامية الجنوبية التزامه بالانضمام الى القائمة المشتركة، وهي فرصة كي تعمل قيادات الأحزاب الأربعة على صياغة برنامج عمل سياسي مشترك وتوضيح حدوده ومحاذيره بما يضمن استمرار التوازن والتكامل بين ما هو مدني وحقوقي وبين ما هو سياسي وهوياتي قومي، وإلا فمصير هذه القائمة غامض ومهدد .

جبهة مواطنة في وجه الفاشي، لنقف معا 

أعادت هَبّة المواطنين في مدينة سخنين وانتفاضتهم في "ساحات البلد" بعض الثقة إلى معنى العمل السياسي الشعبي، واستنفرت مشاهد الحشود قيادات الأحزاب التي رضخت لإرادة الناس، وأعلنت عن اقامة القائمة المشتركة. وكان من نتائج تلك الصحوة الجماهيرية أن بادرت "لجنة المتابعة العليا" و"اللجنة القطرية للرؤساء" الى الاعلان عن سلسلة من النشاطات الهادفة الى تشويش حياة مواطني الدولة اليهود، في مسعى لزج قضية الجريمة والعنف في صدارة الأخبار وعرضها كقضية جميع المواطنين. كانت كبرى هذه النشاطات مظاهرة تل أبيب التي شاركت فيها عدة منظمات يهودية، من بينها حركة اسمها "نقف معا". وقد انتشر على المواقع مشهد لمحاججة صاخبة تمت خلال المظاهرة بين مسؤول كان يتكلم باسم منظمي المظاهرة وبين مسؤولة من حركة "نقف معا". كان موضوع المحاججة اعتراض منظمي المظاهرة على حضور نشطاء "نقف معا" بلباس ليلكي يحمل شعار حركتهم بما لا يتماشى وتعليمات منظمي المظاهرة القاضية بضرورة رفع الجميع العلم الأسود وعدم اشهار أي شعارات أو أعلام حزبية فئوية أخرى.

لا أعرف الكثير عن هذه الحركة، وكنت أتمنى لو أن عناصرها شاركوا وهم ملتزمون بقرارت المنظمين؛ فوحدة الكلمة والتزام الجميع بها هما عربونان لحسن النوايا. ولكن بين التحفظ على تصرفهم العيني والتهجم الشرس عليهم أو تخوينهم أو التشكيك بمآربهم التخريبية، كما صرح البعض، الفرق شاسع، والتهجم مرفوض خاصة اذا استمعنا لخطابات قادتهم وقرأنا عن مواقفهم ضد الاحتلال وضد الحرب على غزة وضد الفاشية في إسرائيل ونضالهم من أجل المساواة التامة في الدولة.

لو كنت من قادة ومنظمي المظاهرة لما أثرت وقتها أي ضجة أو مماحكة معهم كتلك التي جرت، فلكل حادث حديث.

إنني أرى أن مشاركة هذه الحركة، ومثيلات لها إن وجدت، وسيرهم وراء قيادة المظاهرة والالتزام بترديد شعاراتها، هو الأمر الأهم، بالرغم من اختلافي مع بعض منطلقاتها الحراكية ورؤاها ومواقفها السياسية. فلولا وجود هذه الحكومة وسياستها الفاشية ضد المواطنين العرب، لما نجحت عصابات الاجرام وبسطت هيمنتها داخل مجتمعنا بالكامل. وكي ننجح في مواجهة هذه الآفة، يتوجب علينا أن ننجح بهزيمتهم من فوق. وهذا "الفوق" يعني هزيمة التيار الفاشي العنصري الخطير ونهجه؛ ولن ننجح بهزيمته اذا لم نقف في وجهه معا. فالمواطنة، في زمن الفاشية، تعني أن نكون نحن العرب موحدين أولا، ونفتش عمن يقف معنا حتى لو تفذلكت فرقة منهم بحركة استعراضية كانوا في غنى عنها.  

مواطنة في خطر

جاء في الأخبار أن وزير الداخلية الاسرائيلي صادق قبل يومين على أمرَي إبعاد بحق مواطنين مقدسيين كانا قد أدينا بتهم أمنية. جاء قرار الابعاد لغزة بناء على تعديل قانون المواطنة وقانون الدخول الى إسرائيل كانت قد أقرته الكنيست عام 2023، وبموجبه يحق لوزير الداخلية سحب جنسية أو اقامة مواطن اذا أدين بتهمة "الارهاب" وتلقى "مقابلها" مخصصات مالية من السلطة الفلسطينية. في تعقيب على القرار صرح الوزير أن ملفات العديد من الأسرى"قيد الاجراءات". ونستطيع أن نجزم أنه في حالة بقاء هذه الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، فسيلجأ وزراؤها الى رزمة تشريعات جاهزة لتفعيلها ضد مواطني الدولة العرب والتضييق عليهم ونسف معادلة المواطنة من جذورها؛ فمن يعتقد أن تطبيق هذا القانون وغيره سيقتصر على الأسرى الأمنيين الذين أدينوا بتهم "ارهابية خطيرة" سوف يفاجأ عندما يبدأ وزراء النظام الجديد بتفكيك تهمة "الارهاب" وتسييلها حتى تنطبق على كل مواطن عربي يرفض "التدجين" أو إذا تجرأ على تزيين صفحته أو سترته بدعاء " لا اله الا الله".

 إننا نمرّ في محنة حقيقية. مواطنتنا محاصرة وبقاؤنا مهدد. علينا التحرك بتبصر وبحكمة ؛ فبدون مواطنة سوف نخسر الوطن وبدون هوية لا خير في مواطنتهم. تبقى العبرة في تجارب السالفين، فقد ناضلوا بثبات وانتزعوا حقوقنا وصانوا القلاع، فنمنا بأمن وصحونا بكرامة. 

 

34
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل