مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

بعد سخنين تل أبيب فماذا بعد تل أبيب؟ جواد بولس

0.00 - (0 تقييمات)
نشرت
21
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

بعد سخنين تل أبيب فماذا بعد تل أبيب؟  جواد بولس

تعرض تلاميذ ومعلمو مدرسة "ابن خلدون" الإعدادية في مدينة سخنين لاعتداء عنصري خطير خلال رحلة مدرسية كانوا يقومون بها في منطقة عين الجوسق (عين شوكك) القريبة من مدينة بيسان. وجاء على لسان ادارة المدرسة أن أربعة عشر طالبا ومعلما قد أصيبوا جراء قيام مجموعة من المستوطنين اليهود بضربهم وبرش غاز الفلفل والغاز المسيل للدموع عليهم. ليس من الصعب أن نتكهن كيف ستنتهي هذه الحادثة؛ فعلى الرغم من قيام الشرطة الاسرائيلية بتوقيف ثلاثة قاصرين يهود بشبهة الضلوع في الاعتداء، اضافة الى شخص بالغ يشتبه بمسؤوليته عن المجموعة، أستطيع أن أراهن أن الإجراءات القضائية الجنائية بحقهم لن تستنفد؛ تماما كما حصل في جميع حوادث اعتداء قطعان اليمين على المواطنين العرب في السنوات الماضية. وقد نستدلّ على رجاحة هذا الاحتمال من بيان الشرطة نفسها التي قالت فيه إن "بلاغا وردها حول شجار اندلع بين مجموعتين في منطقة "عين شوكك"، تخلله استخدام غاز مسيل للدموع، وأسفر عن إصابة عدد من الشبان، وصفت إصاباتهم بالطفيفة" ! فالحديث وفق البيان يدور عن "شجار اندلع بين مجموعتين" والتحقيق بطبيعة الحال سيأخذ مجراه وستكون لكل مجموعة روايتها ومصداقيّتها وبكّاياتها وحماتها وفي النهاية  "كفكم على الضيعة"، وعزاء أهلنا في سخنين أن الاعتداءات لم تسفر هذه المرة إلا عن إصابات طفيفة.

لقد تزامن وقوع هذه الحادثة مع تدفق كم هائل من الأخبار المروّعة والمقلقة من جميع الجهات والجبهات؛ ابتداءً من تداعيات الأزمة الايرانية واحتمالات اندلاع المواجهة مع جيش "الامبراطورية الترامبية"، بعد أن بدت في الأيام الأخيرة بعض ملامح الانفراج الطفيف عليها، ومرورا بعبثية ما يجري في قطاع غزة ومأساوية المشهد في الضفة الغربية المحتلة، وانتهاءً بموجة عمليات القتل الأخيرة التي تفجرت في عدة بلدات عربية بمظهر يبدو كأنه إعلان حرب وتحدٍّ لارادة المجتمع ومؤسساته القيادية، خاصة بعد نجاح مظاهرتي سخنين وتل أبيب وسلسلة المظاهرات والاحتجاجات ضد العنف والجريمة، التي شهدتها عدة مدن وقرى في الأسابيع الأخيرة. 

لقد كانت الشرارة التي أطلقتها مدينة سخنين لحظة تكثيف لغضب شعبي متراكم دفين لم تعد صدور الناس في مجتمعنا كله قادرة على تحمله والموت ذلا وخوفًا تحت وطأته. في سخنين لم تكسر الجموع حاجز الخوف تماما، كما خُيّل للبعض من باب التلهف والتمني وتحت تأثير نشوة رومانسية؛ لم يكسر الحاجز، لكنه تعرى مسخًا، فوقفت الحناجر على تخومه متأهبة ومعلنة استعدادها لمواجهته والتخلص منه. لقد اندفعت الناس الى "ساحات البلد" في محاولة أخيرة ويائسة لاستعادة "الهيبة والقلعة"، وتحقق ، كما شاهدنا، ما كان يبدو مستحيلا ؛حضرت قيادات الأحزاب والحركات والتحقوا وهم أسرى لمشهد صاغته إرادة الناس العفوية. سارت الأحداث بسرعة غير محسوبة وبلحظات أوفوريا وطنية، لامست حد  السذاجة، حاصروا قادة الأحزاب الأربعة وأجبروهم على اعلان وحدتهم ضمن اطار القائمة المشتركة. شعر الناس بأن وحدتهم هي مبتدأ الخروج من قوقعة الخوف والانتقال الى مرحلة المواجهة. وشعرت القيادات بأن وحدتها هي مطلب الساحة والساعة من أجل مواجهة ستتطلب الانتقال من سخنين، مهد الخطوة الأولى، الى تل أبيب التي منها ستكون الخطوة الثانية في مسيرة طويلة ومضنية.

شارك عشرات الآلاف في مظاهرة تل أبيب؛ وكانت مظاهرة ناجحة وفق عدة معايير، وحدثًا سياسيا استثنائيا تصدّرت مشاهده مواقع الأخبار ونقلتها الى حيز الدولة العام وادراج قضية تفشي الجريمة ضمن سائر القضايا الحارقة والخطيرة التي تتربص بالمجتمع العربي.

لقد قيل الكثير في مظاهرة تل أبيب، ما لها وما عليها، لكنها ستبقى علامة فارقة على طريق نضال المواطنين العرب في اسرائيل، وخطوة متقدمة نحو كسر حاجز الخوف واقتلاعه من جذوره، وتحميل المسؤولية لمؤسسات الدولة وقسطا منها للمجتمع اليهودي نفسه. لقد شاركت قطاعات يهودية صغيرة في المظاهرة وكانت مشاركتهم، رغم حجمها الهامشي، هامة وضرورية وعكست أحد أنماط العمل السياسي الذي يجب على قيادات المجتمع العربي العمل على مراكمته وتوسيعه بهدف تحويله الى جبهة عمل عريضة؛ لا لمواجهة الجريمة وحسب، بل لمواجهة مخططات الحكومة العنصرية وافرازاتها الفاشية؛ فكلا الآفتين متشابكتان في مصدريهما، وهذا ما حملته مظاهرة تل أبيب من معان، خلافًا لانطلاقة سخنين الميمونة.

قد يكون الاعتداء الفاشي على طلاب مدرسة ابن خلدون الاعدادية في سخنين من باب المفارقات اللافتة والصدفة التي وقعت لتعيدنا الى تعقيدات واقعنا وتذكيرنا أن الجريمة والفاشية حليفتان في الدوافع وفي استهداف الضحايا ذاتها، وأن النضال ضدهما قد يتشابك على هذه الجبهة ويفترق هناك.

في خضمّ هذه الأحداث، لفت انتباهي تصريح لوزير الجيش الاسرائيلي السابق بوغي يعلون قبل أيام، وصف فيه واقع الدولة الراهن، فقال:   "كنت قائدا على الجيش وسمعت تحذيرات يشعياهو ليبوفيتش من استمرارنا بالتسلط على شعب آخر. تحكمنا بشعب آخر سيدخلنا في عملية "حيونة" أي التحول الى حيوانات، وتحويلنا الى شعب" يودو-نازي".  وتابع يعلون: "عملت كل ما أستطيع كي ننتصر على الارهاب ونبقى آدميين. لغاية هذا اليوم تبين أن ليبوفيتش صدق وأنني أخطأت. إن وظيفة حكومة اسرائيل القادمة هي أن تثبت أن ليبوفيتش أخطأ. أما إذا فشلت بذلك فسوف يحل الدمار على دولتنا". ليس أوضح من هذا الكلام ولا أخطر منه، فبأي دولة سنعيش هو أمر معقود على نتائج الانتخابات القادمة.                لم تكن هذه المرة الأولى الذي يصرح فيها يعلون بمثل هذا التصريح الصاخب؛ فقبل عشرة أعوام اختلف مع نتنياهو وعارضه بشدة. حينها كتبتُ: "تعيدنا تصريحات بوغي يعلون الأخيرة إلى تعقيدات أوضاعنا السياسية الخطيرة وما تحمله من مخاطر وآفاق بالنسبة لنا كمواطنين في اسرائيل، وتضعنا مجدّدا أمام مسؤولياتنا. فنحن، رغم جميع التطورات التي حصلت، لم نهتد بعد الى صياغة معادلاتنا السياسية الملائمة لواقع فاشي وعنصري لم نعهده من قبل. وما زلنا نراوح مكاننا ونلوك مواقفنا التقليدية التي لم تمنع وصولنا الى شفا الهاوية". 

لقد افترقت طرق بوغي يعلون عن طريق نتنياهو وحزب الليكود في العام 2016 حين أعلن اعتزاله الحلبة السياسية في أعقاب خلاف جدي معه أدّى الى ابعاده عن حقيبة الدفاع . كانت خطوته مؤشرا لامكانية حدوث تغيير في قناعاته السياسية اليمينة المتزمتة وبداية لتحوّل قد ينقله من معسكر الأعداء الأزليين الى معسكر الحلفاء الممكنين في جبهة معارضة للفاشية.

ليس أحوج منا، في هذه الفوضى، إلى مراجعة دروس الأمم التي واجهت الأنظمة الفاشية والديكتاتوريات؛ فلكل عصر قوانينه ولكل حالة قيودها وضرورياتها. إن مواقف يعلون المتغيرة، وهو لغرض هذه المقالة، مثال أو عيّنة، يتيح لنا فرصة اعادة النظر في أحد أهم قوانيننا السياسية التقليدية إزاء من قد نعتبرهم حلفاء لنضالاتنا في وجه سياسات حكومة نتنياهو ومشاريعها التصفوية، أو ابقائهم في خانة الأعداء مهما قالوا أو تغيروا؛ وهو الذي كتب في سيرته الذاتية وقال "لقد تعلمت أنه في عالم متغير بوتيرة متصاعدة وفي جميع مناحي الحياة، من لا يسأل نفسه في كل صباح ومساء: ماذا تغيّر ، يتحول إلى انسان غير ضروري".   

اسرائيل تعيش اليوم حالة من "فوضى الرصاص والدم"، ونحن ضحايا تلك الفوضى المباشرون. لكننا نعيش أيضا حالة من "فوضى العجز " الذاتي. ومن يعش في عصف "فوضيَين" عليه أن يرجع إلى ويراجع دروس الشعوب التي حاربت الفاشية والفاشيين، وناضلت من أجل حقوقها وأمن مجتمعاتها وكرامتها ونجاتها. عشر سنين مرت وانتشر داء "الحيونة" في جميع انحاء إسرائيل، ولم يهتدِ العرب الى طريق الوحدة الحقيقية، فاستحكم العجز بينهم وطفح الخوف وفاض الغضب في صدور الناس حتى خرجوا الى الساحات كي يستعيدوا بعضا من أنفاسهم وليلقنوا قياداتهم درسا في مواجهة الفاشية. فهل بعد تل أبيب من محطات انقاذ أخرى؟  

 

21
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل