في رحيل عطالله منصور- جواد بولس
"الأعزاء بطرس وبدر وسمر والأحفاد السبعة وابن الحفيد ..الرحمة والسكينة لروح الراحل الكبير ابي بطرس، ولكم أجمل الصبر وأحر العزاء ..عطا الله منصور ابن الحياة البار؛ كافح فيها كما يليق بالمؤمن الصادق وبعاشق الأرض والندى والتراب. شق لنفسه دروب الفرح والعزة والرضا بالبذل وبالتواضع وبالاصرار . كان واقعيا دون أن يستسلم للمستحيل، وثائرا دون أن يغترّ بالسراب. رحل أبو بطرس في زمن مأزوم تداس فيه قيمة الانسان؛ وترك لنا تجربة ودليلا لكيف نخرج الأمل والنور من قلب الظلام. عطالله منصور .. رحلة تزيّن صفحة الأيام."
هذا ما كتبته بتعزيتي لأولاد وأحفاد الراحل عطالله منصور فور وصول نبأ وفاته عن ٩٢ عاما، بعد مسيرة طويلة، وصفها هو في كتابه "حفنة تراب لزنابق الحقل".
اليوم سأضيف بضع كلمات واعتراف شخصي من أجل الحقيقة والتاريخ ..
عندما كنت شابا، تعرّفت الى اسم عطا الله منصور كصحفي عربي يكتب في جريدة هآرتس العبرية. ما أذكره عن تلك الفترة، خاصة أثناء دراستنا الجامعية، هو أنني وأبناء جيلي اتخذنا منه موقفا سلبيا كمن كان يقف في "خندق معاد" وغير محسوب "علينا". لن أسهب في الشرح كيف تكوّن لدينا هذا الموقف؛ فلبعض مسبباته كانت علاقة بالأجواء السياسية وبمحركاتها العامة التي سادت في الدولة وأثّرت في بناء هويات مواطنيها العرب ومواقفهم بشكل تلقائي ومنمط؛ بعضها كان من تصنيع محلي، خاصة ما أفرزته تربية الأحزاب والتيارات السياسية الناشطة داخل مجتمعاتنا، وخلقت مساطر تصنيف مدجنة ومعلبة، أثرت في مواقف أتباعهم من الشباب والأجيال الناشئة. واذا ما استعْدوا شخصا وحشروه في خنادق الأعداء، تبنّت كتائبهم، أو إن شئت قل قطعانهم، ذلك الموقف، وصار ذاك الشخص عميلا أو على الأقل "شخصية غير مرغوبة" وليس منا !
أنها فترة تربية "الدوغما" أو التكفيرات الحزبية التي فطمنا عليها الى أن تحررت عقولنا، واستعاد بعضنا رشده وحريته الفكرية.
ثم تعرفت الى عطا الله منصور شخصيا في منتصف الثمانينيات بعد أن تزوجت بجمانة ابنة أخت زوجته، الراحلة المعلمة اڤلين غريّب، وصرنا نلتقي في المناسبات العائلية. وجدت فيه شخصًا دمث العشرة هادىء الطبع متحدثًا، عن خبرة وعن علم، في مواضيع مختلفة شتى، وصاحب مواقف مبلورة وواضحة؛ لكنه مستعد لسماع رأي الآخرين واستيعابهم بارادة الواثق المجرب.
كان مؤمنا من غير تزمت، وعنيدًا على عتبة ما كان يراه "حقًّا"، وصبورا كمن خبر مكائد الدنيا وغدر الأيام والناس. كان شغوفا باستزادة معرفته وعلمه، مقرًا بأنه كلما عرف وتعلم أكثر همست له الدنيا: ما أجهلك.
ثم تعرفنا عليه أكثر عندما أصدر، مع زميله في جريدة هآرتس، الصحفي عوزي بنزيمان، كتابهما المهم عام ١٩٩٢: "نزلاء ثانويّون" (דיירי משנה). كان هذا الكتاب عند صدوره من أهم وأول الأبحاث والوثائق التي تقصّت بشكل علمي وموثّق سياسات حكومات اسرائيل العنصرية تجاه المواطنين العرب، فبات للعديدين منا مرجعا معتمدا وضروريا.
لم يكن عطا الله منصور مناقشا سهلا، ولا معارضًا مرنا، لكنه كان ينبذ العنف ويجنح دوما للغة العقل وترجيحه حتى عندما كان يحاور أنداده بشدة وبتحديات قاسية. مع السنين تعوّدت على أسلوبه في الحديث، فغدت لقاءاتنا مرغوبة وشائقة.
لأكثر من أربعين عامًا تواصلت علاقتنا التي أصبحت متينة ومبنية على الاحترام المتبادل والمحبة وعلى تلاقح الأفكار وتفكيك الخلافات في وجهات النظر، وقد بقي الكثير منها بيننا . لم نتفق في كثير من المواضيع لكننا مضينا، كل واسلوبه، نفتش معا عن أحلامنا وعن دروب السعادة والسلام، قانعين مقتنعين بأن أحاديث العقول، كأحاديث القلوب، لا تلد إلا المحبة والاعجاب المتبادل، ولا تزرع إلا بذور الخير والأمل.
اذا ما اقتفينا سيرة الراحل سنجدها معطرة بروائح الكدح والعرق، وبصور الشقاء والاصرار على النيل والفرح، وبمعاني الحب الصادق للانسان وللارض وللوطن، وبالاخلاص حتى التفاني، والايمان السوي الذي لن يصح، هكذا كان يؤمن، إلا اذا اهتديت اليه بحدسك وبعقلك.
أكتب اليوم برحيل انسان، كان واقعيا دون أن يستسلم للمستحيل، وثائرا دون أن يغترّ بالسراب، وعن صديق أكسبني اياه القدر، وخسرته اليوم، على سُنّة الحياة، التي ليست على ما شاء بعض البشر.
فلروحه السكينة ولنا ما أبقاه من وجع وقلق وأثر ..

