ماذا لو قررت اسرائيل أن تبني هيكلها المتخيّل وأين ؟ جواد بولس
قد يعتقد البعض أن عنوان المقالة مأخوذ من عالم الخيال، أو أنه مجرد مزايدة خائبة على المستحيل؛ فالقدس كانت وستبقى قلب القضية الفلسطينية وعنوانها النابض طيلة سني الصراع مع الحركة الصهيونية؛ والقدس كانت عروس أحلام العروبة كما جاء بالأسفار والأناشيد. وهي مدينة القيامة عند المسيحيين، وأرض الاسراء موقوفة لأمة الاسلام وأمانة في أعناقهم الى يوم الدين. هكذا توارثت الأجيال في الشرق قصص القدس، وعلّقوها أيقونات في وجدانهم حتى صار لكل واحد منهم قدسه المتخيّلة.
لا يمكن فصل فكرة المقال عمّا يحصل من أحداث جسيمة في العالم بشكل عام، وفي منطقتنا على وجه التخصيص وتحديدا في فلسطين. هذا إذا أردنا تقريب الخيارات الجائزة واستقراءها على ضوء تلك التداعيات وفي ظل ما طرأ من مستجدات على حدود أطماع السياسة الاسرائيلية واقتناع صنّاعها الحاليين بقدراتهم على تحويل ما كان في حكم المستحيل أو المحظور الى واقع ناجز ويسير.
من المفيد أن نستذكر مواقف الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على الحكم في اسرائيل منذ عام 1967 إزاء مدينة القدس، لا سيما إزاء منطقة الحرم والمسجد الأقصى . فبعد انتهاء حرب اكتوبر 1967 مباشرة قررت حكومة اسرائيل ضم القدس الشرقية لادارتها. وفي عام 1980 شرّع الكنيست الاسرائيلي "قانون أساس اورشليم" الذي بمقتضاه بسطت اسرائيل سيادتها على المدينة كلها، في خطوة رفضتها دول العالم التي بقيت ملتزمة بقرارات الأمم المتحدة بخصوص الصراع الفلسطيني الاسرائيلي. وكما أجمعت جميع الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على موقفها تجاه ضم القدس الشرقية، أجمعت كذلك على ضرورة المحافظة على ما اصطلح تسميته "بالستاتوس كوو"، أي المحافظة على الوضع القائم في جميع الأماكن المقدسة التابعة لسائر الديانات في المدينة. وبناء على تلك السياسة حرصت معظم الحكومات الاسرائيلية، بشكل أو بآخر، على عدم المساس بمكانة المسجد الأقصى وحظرت فعليا دخول اليهود الى باحاته ومنعتهم من إقامة الشعائر الدينية أو القومية فيها. لقد استعانت الحكومات الاسرائيلية حينها بموقف كبار الحاخامات الذين أفتوا، مباشرة بعد احتلال القدس، بتحريم زيارة منطقة الحرم لدواع دينية وشرعية، لسنا بحاجة الى استعراضها في هذه العجالة. أما على الجانب الآخر، فقد تنبهت، بدورها، القيادات الفلسطينية الوطنية والاسلامية، إلى حساسية هذه المسألة وحرصت من جانبها أيضا على تحييد منطقة الأقصى عن جبهات المواجهة المباشرة حتى عندما كانت تحتدم الصدامات الميدانية في شوارع وحارات القدس بين الفلسطينيين وجيش وشرطة الاحتلال. كانت الفكرة الكامنة وراء تلك الاستراتيجية واضحة؛ فالصراع مع إسرائيل كان ويجب أن يبقى بالأساس صراعًا سياسيا وطنيا، ولا يمكن زجّه وحصره في خانة صراع الديانات وحسب، ولا كخلاف ديني مع اليهود يختزله موقف من أي موقع ، مهما كانت مكانته الدينية مميزة وقدسيته راسخة في تلك العقيدة أو وفق ذاك الايمان.
مع مرور السنين وتعثر الحلول السياسية وتفاقم قمع الاحتلال الاسرائيلي ومحاصرة القدس، حصل تآكل في طرفي معادلة الحفاظ على الوضع القائم، وتراجعت مكانتها بشكل خطير؛ ففي إسرائيل تنامت قوة التيارات الدينية والقومية المتطرفة وأفرزت السياسة حكومات يمينية متطرفة تؤمن بفكرة سمو اليهود على غيرهم من الأعراق وبحقهم في تملك "أرض الميعاد" وفق وعد الرب لبني اسرائيل.
في المقابل، ولأسباب كثيرة ومختلفة، شهدت المجتمعات العربية والاسلامية، تغييرات اجتماعية وفكرية وسياسية كبيرة أفضت الى نشوء حركات وتيارات سياسية اسلامية مؤثرة اجتماعيا وفكريا وسياسيا. ففي فلسطين المحتلة برزت في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حركتا حماس والجهاد الاسلامي، وفي داخل اسرائيل ولدت الحركة الاسلامية التي أعلن قادتها أنهم يسعون من أجل اقامة دولة الخلافة الاسلامية. ولقد بدأت حكومات اسرائيل بالتخلي عن قواعد اللعبة القديمة، وبدأنا نشهد تناميا في قمع قوى الأمن الاسرائيلية للحريات الفلسطينية وعلى رأسها حرية العبادة، وزيادة في الاعتداءات على الأماكن المقدسة المسيحية وعلى رجالات الدين المسيحيين. كما ازدادت بشكل غير مسبوق تحرشات الفرق اليهودية ونشاطات قادة الأحزاب المتدينة والمتطرفين القوميين في منطقة الحرم وباحات المسجد الأقصى، وسمح لهم باقامة بعض الشعائر التي لم يسمح بها من قبل. في هذه الأجواء وبالتزامن مع تراجع الحالة الوطنية الفلسطينية العامة ودخول القدس الشرقية في حالة فراغ قيادي خطير وتفريغها من مؤسساتها الوطنية المدنية وعلو شأن النشاط الاسلامي المنظم، صار شعار" الأقصى في خطر" هو شعار مقاومة الاحتلال الأبرز لا في القدس وحدها وحسب، إنما في سائر الفضاءات العربية والإسلامية قاطبة. وعلى الجبهة الاسرائيلية رفعت المنظمات والأحزاب اليهودية المتطرفة شعار "تحرير جبل الهيكل" كمحرك شعبوي محرض ووسيلة تعبوية ناجعة، حتى أصبح ترديده أمرًا طبيعيا وتنفيذه خيارا ممكنا، عند جميع هؤلاء. لم تعد الدعوات لتدمير المسجد الأقصى مجرد أصوات هامشية يرددها بعض "المهووسين"، ولا مجرد هتافات موسمية تستحضر في مناسبات دينية محددة، بل تحوّلت هذه النداءات الى خطاب سياسي أيديولوجي منظم يُروج له في الكنيست وتحتضنه أكثرية وزارية في الحكومة وشارع ممتلئ عنصرية عمياء منفلتة؛ وتحميه مؤسسات الدولة الرسمية المعنية بارضاء غرائز أتباعها وتحقيق حلم أنبيائها ونيل خلاصها الكامل الذي لن يتم إلا ببناء الهيكل!
قد يكون سيناريو هدم المسجد الأقصى أمرًا متخيّلا أو افتراضا غير ناجز بالتمام؛ لكنه لم يعد أمرا مستحيلا في عالم تنطلق فيه عبثيات امبراطورية ترامب ومغامرات نتنياهو على مراكب النار . وقد تدمج الدعوة التي يطلقها أقطاب اليمين الحاكم في إسرائيل ضمن مشروع سياسي يخطط أقطابه الى تفجير الصراع في المنطقة بشكل شامل كوسيلة لانتاج فرصة لسيطرتهم على المنطقة وتمكينهم من فرض وقائع جيوسياسية لم تكن ممكنة في الماضي.
أكتب عن هذا الكابوس بعد عدة أيام من اقتحام قوات الأمن الاسرائيلية لمقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة. جاءت عمليات الهدم بعد نحو شهر من اقتحام اسرائيلي واسع للمقر ومصادرة محتوياته ورفع علم اسرائيل في المكان. لقد أصدرت الوكالة بيان شجب للعملية ووصفتها بأنها منافية للقانون الدولي وأنها تشكل سابقة قد تكررها اسرائيل بحق مؤسسات دولية أخرى. لم تكترث الحكومة الاسرائيلية لما صدر من بيانات، بل أعلنت عزمها على بناء حي استيطاني جديد في نفس المنطقة. أشير الى هذه الحادثة كي نضع الأمور في سياقاتها الراهنة وأمامنا تتداعى سلسلة من العواصف التي باتت تهدد سلامة عدة مسلّمات وقيم ناظمة لعلاقات الأمم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبضمنها، قد ندرج معادلة المحافظة على الوضع القائم في القدس، أو، إن شئنا مصير الشعب الفلسطيني وحقوقه التي ضمنتها تلك المسلمات نفسها. فماذا حصل وسيحصل إذا هدمت إسرائيل مقرًا محميا بشرعة الأمم؟ وماذا سيحصل لو دمّر الامبراطور منظمة هيئة الأمم نفسها؟ وماذا حصل عندما دمّرت اسرائيل معظم قطاع غزة ومساجده وقتلت نحو مئة ألف مواطن من سكانه ؟ وماذا سيحصل اذا استمرت اسرائيل بتدمير ما تبقى من غزة وقرى ومدن الضفة المحتلة والاستيلاء على مزيد من أراضيها ؟ وماذا حصل عندما قصفوا طهران ودمشق وبيروت وصنعاء وبغداد وطرابلس والصومال وقطر والآتي أعظم ؟
قد يكون الأقصى لدى البعض أغلى من جميع من قتلوا وما هدموا، ولكن، ما دام كل ذلك قد حصل ولم يحصل ما توقعنا أنه يجب أن يحصل؛ فمن يراهن على ماذا سيحصل إذا اقتحموا وهدموا الأقصى؟
سيقول البعض عن قناعة وبيقين: ساعتها ستقوم القيامة. هذا صحيح، ولكن ، سوف تقوم القيامة فعلا لكنها قد تكون هي القيامة التي يريدونها. فهل من أحد يعرف كيف تكون القيامة.
ماذا لو .. هي مجرد فكرة متخيلة أملاها على الدفتر واقع مريض غير متخيّل.

