المدارس الأهلية في القدس - إرث ومستقبل في مهب العاصفة - جواد بولس
أعلنت الأمانة العامة للمدارس المسيحية الخاصة في القدس يوم الاثنين الفائت تعليق الدوام في جميع المدارس الأهلية المسيحية في المدينة، احتجاجا على رفض سلطات الاحتلال الاسرائيلي تجديد تصاريح دخول 171 معلما وموظفا لديها من حملة هويات الضفة الغربية المحتلة، ومنعهم من مزاولة عملهم، مما أثر على إنتظام العملية التدريسية مع بداية الفصل الدراسي الحالي. ويذكر أن عدد هذه المدارس يبلغ 15 مدرسة، يتعلم فيها 8500 طالبا وطالبة. وقد حذت حذو المدارس الأهلية المسيحية إدارات بعض المدارس الأهلية الأخرى التي واجهت كوادرها نفس الاشكال، فأعلنت تعليق دوام قرابة 12 ألف طالب وطالبة، يدرسون بين ظهرانيها. كما وأصدر اتحاد أولياء أمور الطلاب في القدس بيانا يعلن فيه تأييده لقرار تعليق الدوام.
الكتابة عن هذه الأزمة في زمن تغرق فيه فلسطين في الظلمة واجبة؛ لأن ما يستهدفه الاحتلال من ورائها هو أبعد من التنكيل بعشرات الموظفين الفلسطينيين "والتحرش"، القديم الجديد، بمؤسساتهم، ومحاصرتها؛ فهذا الاحتلال يعرف أن تدمير استقلالية عمل المؤسسات التربوية الفلسطينية، على مراحلها ومراتبها وأصنافها، هو من أهم أهدافه ومهامه في مواجهة الصمود الفلسطيني وخلخلة مناعة المجتمعات الفلسطينية، لا سيّما بعد نجاحه بتمزيق جغرافيتها وشل عمل مؤسساتها القيادية الوطنية.
تعيدنا أزمة مدارس القدس الأهلية المسيحية الحالية إلى تاريخ هذه المدارس في عموم فلسطين قبل النكبة وبعدها في داخل اسرائيل وفي فلسطين المحتلة. إن احتدامها في هذه الأيام في القدس تحديدا قد يعيد القدس، ولو من كوّة صغيرة، الى واجهة الهمّ الفلسطيني؛ فالمعركة على مصير هذه المدارس تستحضر ما حصل مع معظم مدارس القدس الشرقية التي نجح الاحتلال الاسرائيلي "بتدجينها "وضمّها تحت سيطرته الفعلية، أسوة بنجاحه في السيطرة على سائر قطاعات حياة المقدسيين وسلخهم عمليًا عن حواضنهم الوطنية التاريخية.
لا أعرف كيف ستنتهي هذه المواجهة، فمن الواضح أنها تدور بين قوتين غير متكافئتين أصلاً، وفي وقت تراجعت فيه قدرة الاسناد الفلسطيني الفعّال للقدس، وخبا اهتمام الرأي العام العالمي بما يجري في فلسطين عامة وفي القدس تحديدا. يراهن المسؤولون في إدارات هذه المدارس على عزيمتهم وعلى مواقف أولياء الطلاب وعلى دعم رؤساء الكنائس المعلن لهم؛ ويعلنون أنهم متمسّكون بموقفهم حتى تتراجع إسرائيل عن قرارها. هذا ما صرّح به ريتشارد زنانيري، مدير مدرسة المطران العريقة في القدس قائلا: "إن ما تتعرض له المنظومة التعليمية المقدسية، لا سيّما المدارس المسيحية، هو هجمة ممنهجة ومتواصلة منذ سنوات، تستهدف السيطرة على التعليم وعلى الهوية الوطنية". وأوضح: "أن هذه الهجمة لم تبدأ اليوم، بل تعود الى سنوات طويلة من محاولات أسرلة المناهج التعليمية وتغيير مضامينها وفرض السيطرة على كل تفاصيل العمل المدرسي".
لقد كتب البعض عن أصول نشأة المدارس الأهلية المسيحية في الشرق عامة وفي فلسطين خاصة؛ وتطرق الباحثون لأدوار تلك المؤسسات وتأثيراتها على المجتمعات المحلية وعلى هوياتها. ففي فلسطين ولدت تلك المدارس "بولادة طبيعية" ونمت لتأخذ دورها في مجتمع كان يواجه متغيرات كبيرة وخطيرة. كانت المدارس التقليدية القائمة فقيرة، وشكّلت إرثا ثقيلا من عهد كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، وفي ظلاله كانت تتشكل خمائر هويات اقليمية ومجتمعات تتلمس مستقبلها وفق قيَم ومفاهيم ومعايير انتماءات جديدة.
عرفت فلسطين في ذلك العهد كوكبة من رجالات التربية والتعليم؛ جيلا من المؤسسين الذين استوعبوا أهمية استحداث وتحديث العملية التربوية والتعليمية، وشرعوا في تطويرها وانمائها وفق أنماط تربوية وهياكل تعليمية مختلفة. وقد برزت من بينها المدارس الأهلية الخاصة المسيحية. عن طبيعة هذه المدارس، كتب أحد أبرز رجالات التربية والتعليم في ذلك العهد، الاستاذ حبيب أفندي الخوري، كما كانوا يسمونه وقتئذ، مقالة بعنوان "المدارس الوطنية"، نشرت في "جريدة" أو كما سمّيت "رسالة المدرسة" التي كانت تصدر عن مدرسة قرية البصة الجليلية، التي أسسها ورعاها "مطران العرب" غريغوريوس حنا حجار عام 1927، وأسماها "المدرسة الأسقفية الوطنية". جاء في المقال: "إن حق لي أن أشير إلى طابع الحركة الفكرية في فلسطين، لقلت غير متردد إن طابعها للمدارس وللتهذيب، ففلسطين الآن في طريقها الى المدرسة .. إن لم تكن قد أصبحت فيها". لقد كانت المدارس هي ما بنى عليها أهل فلسطين آمالهم في الانتقال الى مستقبل مشرق وحياة حرة وكريمة، وهي "الهياكل" التي بين جدرانها سيحققون أحلامهم. أما أهداف تلك المدارس، فقد وصفها صاحب المقال وقال: "تربية صالحة وطنية تكفل لهم أن يكونوا في الحياة رجالا يعتمد عليهم في كل الأعمال". هكذا زرعوا وأورثونا.
مرّت مائة عام على ذاك العهد وبتنا نعيش في عالم تغيّرت فيه معظم القيم والمفاهيم ونظرة المجتمع لمكانة المدارس وللمعلمين. لقد "كان السواد الأعظم من مدارسنا، إلى ثلث قرن خلا، إما حكوميا أو أجنبيا"، هكذا كتب حبيب الخوري وأضاف: "أما الآن، فقد ظهرت تباشير الدور القومي وهو الدور الطبيعي المعقول، وهبّت الأمة تتحفز له". مائة عام سارت فيها قبائل الشرق ورؤوسها تنظر الى الوراء؛ مائة مرت وظهر أنّ آن هؤلاء الطلائعيين لم يعد آننا، ورهانهم على "أمة تتحفز لدورها القومي" قد فشل، أو ربما قد كان منذ البداية مجرد وهم.
نتمنى لادارات المدارس الأهلية أن تحقق مرادها وأن تنتصر ؛ أقولها وعيني على حفل استقبال الرئيس الاسرائيلي هرتسوغ وزوجته لرؤساء الطوائف المسيحية يوم الاثنين الفائت في مقر الرئاسة احتفاءً بمناسبة رأس السنة الجديدة. لقد تزامن الحفل مع اعلان تعليق الدوام في المدارس الأهلية وكان متوقعا أن تحضر فيه أزمة المدارس الأهلية بشكل أو بآخر، ففي النهاية من المفترض أن تكون تلك الكنائس ورؤساؤها هم رعاة هذه المدارس وحماة مصالحها.
لقد غابت القدس ومدارسها عن اللقاء وحضر هرتسوغ وخطابه فقال: "لا شك اننا نلتقي في وقت حساس لكنه مليء بالأمل للأرض المقدسة وللشرق الأوسط بأسره. إن قلوبنا مع المواطنين في ايران الذين يسيرون بشجاعة من أجل حريتهم" ؛ وطمأن ضيوفه قائلا : "إن مجتمعاتكم تشكل برَكة لدولة اسرائيل وأننا سنواصل حماية الأماكن المقدسة لجميع الأديان". كان خطابه مثقلا بالشعارات العامة ووعود المجاملات، تماما كما فعل البطريرك اليوناني ثيوفيلوس، الذي حيّا الرئيس باسم رؤساء جميع الكنائس وقال: "سيدي الرئيس، إن التزامكم بالسلام وبرفاهية جميع سكان الأرض المقدسة ودولة إسرائيل معروف ومعترف به على نطاق واسع". وبعد تأكيده على انهم يقفون بثبات مع الرئيس ومع كل من يضع قضية السلام في مقدمة اهتماماته، أضاف: "كما نلتزم بتعزيز القيم المنبثقة من الكتب المقدسة التي نتشاركها، وبالنضال المشترك ضد جميع أشكال معاداة السامية والاسلاموفوبيا".
نقرأ ونسمع ونكاد لا نصدق. فكأنهم يحتفلون بقدوم عام جديد وقد اندلقت بركاته على كوكب آخر بعيد. نقرأ ونبكي، مسيحيين ومسلمين، على أحلام تذبح على مسارح "اليقظة" في القدس ورام الله وغزة؛ ونبكي مسيحيةً أضاعت يسوعها، وعلى أمة وأدت عقلها وجهلت وفرّطت بأغلى ما عندها: المروءة وكرامة الانسان "وتربية أبنائها تربية صالحة وطنية".
نقرأ ونعود لتاريخ صاغت أعلامه أحلام أمة، ورحلوا تاركين لنا أجمل الوصايا. فمثل حبيب الخوري أكد لنا المعلم خليل السكاكيني "بكذا أنا يا دنيا" كرهه "أن يخاف الانسان ولو سقطت عليه السماء". نقرأ اليوم ما كتبوا وبعضنا يقول: نحن مثلكم يا معلم، بيد أن المأساة كما كانت بقيت، فالسماء لم تسقط عليك ولا علينا، بل نيران البشر، وبعضهم منا ومن أشقائنا، وبعضهم كانوا يتحدثون باسم السماء على الأرض وما زالوا. هكذا هي الدنيا في شرقنا، صحراء ونيران تستوطن قلوب البشر، فلا يرون سماءهم.

