مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

الغريب بقلم سمير الخطيب

5.00 - (1 تقييمات)
نشرت
200
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

الغريب   بقلم سمير الخطيب

الغريب  
بقلم سمير الخطيب

في صمتِ الحاراتِ التي لم تعد تُسمَعُ فيها خطواتُ الجيران، جلس الشيخ سليمان يعدّ لحظاتِ يومه كما يُعدّ المصلّي ركعاته: بخُشوعٍ وبلا رجاء. كان عمره سبعون عامًا، وقد بقي وحيدًا بعد أن غادر ابنُه حلبَ في زمنٍ لم تعد فيه المغادرةُ خيارًا، بل غريزةَ بقاء. لم يأخذ معه شيئًا، ولم يودع أحدًا وداعًا. وكأنّه ترك أباه ليكون شاهدًا على ما سيفعله الزمنُ بالمكان، أو ربما بالروح.

مرّت السنواتُ، فتغيّرت الوجوهُ، وانقلبت المدارسُ مخابئَ، والأسواقُ خرائبَ. عادت الحياةُ شيئًا فشيئًا، لكنّها لم تعد تعرف سليمان. لم يسأل عنه أحدٌ، ولم يسأل هو عن أحد. كان يجلس كلّ عصرٍ على درج داره المهدومة جزئيًا، ينظر إلى الأطفال يركضون حيث كانت زوجتُه تزرع الياسمين، ويهمس: «يا ليتَهم لا يعرفون أنّ هذا الترابَ بكى ذاتَ يومٍ دمًا.»

وفي ليلةٍ باردةٍ، قُبيل الفجر، طرَقَ بابَه فتى غريبٌ، وجهُه نحيلٌ كوجه ابنه، وعيناه تحملان سؤالًا لم يجرؤ أحدٌ على طرحه منذ زمن. فتح الشيخ الباب بيدٍ مرتعشة، وسقاه كوبَ ماءٍ من جرّته القديمة.

سأله سليمان بصوتٍ خافتٍ: «من أين أنت؟»

فأجاب الفتى، وهو ينظر إلى الصورة المعلّقة على الحائط، حيث يظهر شابٌّ ببدلةٍ بيضاء: «من هنا... ولكنّي لم أعد أعرف المكان.»

فأطرق الشيخ، ثم تنهّد طويلاً، كأنه يسحب السنين من صدره، ثم قال، والدمع يكاد يذوب في صوته:

«الغربة ليست في البُعد عن الأرض، بل في أن تصبح الأرض غريبةً عنك.»

وفي الصباح، وُجد الشيخ سليمان ممدّدًا على عتبة داره، مبتسمًا، كأنّه قد ودّع الغربة أخيرًا، ليس بالسفر، بل بالموت.

200
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل