على كرسيّ الانتظار - قصة قصيرة
بقلم: سمير الخطيب
جلس أبو ياسر على ذلك الكرسي الخشبي البائس، المهترئ، الذي جلس عليه قبله آلاف المنتظرين، آلاف التعساء الذين انتظروا أخبارًا عن موت أو حياة، عن خلاص أو هلاك. كان الكرسي نفسه شاهدًا صامتًا على كل هذا اليأس المتراكم، المتكدّس، المتخثّر في زواياه كالدم القديم—دم أبنائهم الذي سال على الحواجز، في الشوارع، وتحت أنقاض البيوت. يداه مشبوكتان بين ركبتيه، يعصرهما حتى ابيضّت مفاصله. كان يحاول أن يصلّي، لكن الكلمات كانت تتبعثر في رأسه كحبّات مسبحة مقطوعة الخيط.
“يا الله… يا رب… اشفِ ياسر… خذني أنا بدلًا منه…”
وهنا، في هذا الممر الضيق النتن برائحة المطهّرات الكيماوية والموت المقنّع، لم تكن هذه الكلمات مجرّد عبارات يقولها الآباء. كانت حقيقة عارية، مؤلمة، صادقة حتى النخاع. نعم… ألف مرة نعم. ليته هو من تلقّى تلك الرصاصة بدلًا من ياسر. ليته هو من كان هناك، عند الحاجز، عندما أطلق ذلك الجندي النار - ذلك الطفل الجبان المدجج بالسلاح والخوف والكراهية - دون سؤال، دون تردّد، دون أي شيء يشبه الرحمة.
لكن ياسر كان هو من ذهب لشراء الخبز. مجرّد خبز. هل هذه جريمة؟ الرصاصة استقرّت في بطنه. رصاصة واحدة، لكنها كانت كافية لتمزيق الأمعاء، لتحويل جسد فتى في السابعة عشرة إلى ساحة معركة داخلية بين الحياة والموت. ثلاث ساعات. ثلاث ساعات والجراحون يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه. العملية كان من المفترض أن تستغرق ساعة واحدة. لكن متى سارت الأمور في فلسطين كما يُفترض؟
مرّت ممرضة، ثم أخرى. وجوه متعبة، لكنها معتادة. اعتادت على رصاص الاحتلال، على الأجساد الممزقة، على الآباء المنتظرين في الممرات. نظر إلى ساعته. الوقت لم يعد له معنى. تحوّل إلى شيء لزج، كثيف، يجري ببطء مؤلم. حتى الوقت صار محتلاً.
في الزاوية المقابلة، كان رجل عجوز يسعل. سعال جاف، متقطّع. امرأة بجانبه تمسك يده وتربت عليها بإيقاع آلي ميؤوس منه. عرفهما أبو ياسر. كان ابنهما قد استُشهد في الانتفاضة الأولى. الآن يحتضر العجوز نفسه من مرض لم يجدوا له علاجًا، لأن الدواء ممنوع من الدخول. كلهم ينتظرون. كل عائلة في هذا الممر، في هذا المستشفى، في هذا الوطن المسحوق—كلهم ينتظرون.
تذكّر ياسر طفلًا. المرة الأولى التي سقط فيها عن الدراجة. كيف ركض نحوه دون تفكير، التقطه، فحص ركبتيه المخدوشتين. كان الدم يسيل، لكن ياسر ضحك وقال: “بابا، أنا بطل، صح؟”. قال له نعم. ولم يكن يكذب. كان ياسر بطلاً لأنه وُلد هنا. بطلاً لأنه استمر في الضحك. بطلاً لأنه ذهب ليشتري الخبز. لكن ما نوع البطولة هذه؟ أن تُقتل وأنت تشتري خبزًا؟
مرّ طبيب شاب في الممر، يتحدث في هاتفه عن موعد عشاء. شعر أبو ياسر بغيرة مؤلمة—ليست كراهية، بل غيرة من إنسان يستطيع أن يفكّر في الغد. نهض، سار بضع خطوات، عاد. الممر يشبه الوطن: ضيّق، محدود، لا يمكنك أن تذهب بعيدًا. في الخارج، كانت الشمس تغرب. خيوطها الأخيرة تتسلل من نافذة الممر، تقسم الأرضية إلى مربعات من نور وظلّ. فكّر: حتى الشمس لا تعرف لمن تنتمي هذه الأرض.
الباب… فُتح. لا. مجرّد ممرضة أخرى تحمل صينية معدنية ملطخة بالدم. كم من الدم يجب أن يُسفك؟ كم من الآباء يجب أن ينتظروا؟ لكن حتى هذه الأسئلة صارت قديمة. سألها الأب، والجد، وسيُعاد طرحها من جديد.
الباب! هذه المرّة… نعم. الطبيب. وقف أبو ياسر. ساقاه ترتجفان. قلبه يخفق بعنف. في تلك الثواني - الثواني التي امتدت إلى أبدية - عاش أبو ياسر كل المصائر الممكنة. رأى نفسه في جنازة، يحمل نعش ابنه، ينهار على القبر. رأى نفسه يعانق ياسر، يبكي من الفرح. رأى ياسر يكبر، يقاوم، يُسجن، يُحرر. رأى ياسر يهاجر، يهرب من هذا الجحيم. رأى كل شيء ولا شيء.
توقف الطبيب أمامه. رفع قناعه الطبي قليلاً.
وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، أدرك أبو ياسر حقيقة مدمرة ومضيئة في آن:
مهما كان الخبر - حياة أو موت، نجاة أو شهادة - سيستمر كل شيء.
سيستمر الممر في استقبال الجرحى. ستستمر الرصاصات في الطيران. سيستمر الآباء في الانتظار على كراسي خشبية.
لكننا سنستمر أيضاً في الصمود.
لأن الانتظار نفسه صار شكلاً من أشكال المقاومة. أن تبقى حياً، أن تنتظر، أن ترفض الموت - هذا كان كل ما نملك.
الوطن نفسه كان ممراً طويلاً، ضيقاً، ننتظر فيه خبراً عن مصيرنا. لا نعرف متى سينتهي الانتظار، ولا كيف سيكون الخبر.
لكننا - رغم كل شيء، رغم الرصاص والدم والموت - ما زلنا هنا.
ما زلنا ننتظر.
ما زلنا صامدون.
فتح الطبيب فمه ليتكلم…

