مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

النار المقدسة

4.00 - (1 تقييمات)
نشرت
188
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

النار المقدسة

النار المقدسة
رواية قصيرة
بقلم : سمير الخطيب

كان إيفان يحدق في الصليب المعلق على جدار الكنيسة، بينما قلبه يخفق بعنف يكاد يمزق صدره. أربعون عاماً من الخدمة في بيت الرب، أربعون عاماً من التقوى والزهد، وها هو الآن يقف أمام الله والملائكة، يحمل في قلبه ناراً لا تطفأ.
ماريا… حتى اسمها كان يحرق لسانه عندما يهمس به في صلواته. الراهبة الشابة التي جاءت إلى الدير منذ عام، بعينيها الزرقاوين اللتين تحملان عمق السماء وبراءة الطفولة. كيف يمكن لقلب مات منذ عقود أن يبعث من جديد؟ وكيف يمكن للروح التي تطهرت بالصلاة والصوم أن تضطرب هكذا؟
“أبي إيفان”، صوتها خلفه جعله يرتعش. التفت ببطء، كما لو أن كل حركة تتطلب جهداً قوياً.
“نعم، أختي ماريا.”
“لماذا تتجنبني؟” سؤالها كان مباشراً، كما اعتادت هي أن تكون. لم تكن تعرف الخداع أو المراوغة. “هل أسأت إليك في شيء؟”
نظر إليها، وشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه. كانت تقف في شعاع الضوء المتسلل من النافذة الملونة، حولها هالة من النور تشبه الملائكة.
“لم تسيئي، يا أختي. أنت…” توقف، وأدرك أنه على وشك أن يقول شيئاً لا يمكن قوله. “أنت… تذكرينني بأشياء كنت أظن أنني نسيتها.”
اقتربت منه خطوة، وقد بدا عليها القلق. “ما هذه الأشياء؟”
أغمض عينيه، وحاول أن يجد في أعماق روحه تلك السكينة التي رافقته طوال هذه السنوات. لكن بدلاً من ذلك، وجد عاصفة تجتاحه، تمزق كل شيء.
“الحب”، همس، وكأنه يعترف بأعظم خطيئة في التاريخ.
صمتت ماريا، وتوردت وجنتاها. كانت تعرف، كما يعرف الطائر أن السماء موطنه. كانت تعرف أن ما يحدث بينهما أكبر من كليهما، وأخطر من كل ما تعلموه عن الخطيئة والثواب.
“أبي إيفان”، قالت بصوت مرتجف، “أنا أيضاً…”
“لا!” صرخ، وكأن صوتها سيف يخترق روحه. “لا تقولي شيئاً. لا تحولي هذا الجحيم إلى جحيم أكبر.”
“لكن أليس الحب من الله؟” سألته، وفي عينيها دموع تتجمع كالندى. “أليس الحب هو الله؟”
انهار على المقعد الخشبي، ودفن وجهه بين يديه. كان يعرف أنها محقة، وأنها مخطئة في الوقت نفسه. الحب هو الله، نعم، لكن أي حب؟ هل هذا الذي يشعر به حبٌ إلهي، أم شهوة شيطانية تلبس قناع القداسة؟
“هل تعرفين ما يعذبني؟” سأل بصوت خافت، دون أن يرفع رأسه. “ليس الخوف من الخطيئة… بل الخوف من أن يكون هذا الحب هو أنقى شيء في حياتي. أن أكون قد عشت أربعين عاماً في الوهم، وأن الحقيقة تكمن في هذا الحب الذي يحرقني.”
جلست بجانبه، وبينهما مسافة صغيرة تفصل بين الطهارة والخطيئة، بين الجنة والجحيم.
“إذا كان الله هو الحب”، قالت بهدوء، “فلماذا يعذبنا بهذا الحب؟”
رفع رأسه ونظر إليها. كان في عينيها نفس الصراع الذي يأكله من الداخل. كانت تحبه، وكان يحبها، وكلاهما يعرف أن هذا الحب سيدمرهما.
“ربما”، همس، “ربما لأن الله يريد أن يرى إلى أي حد يمكن أن تصل النفس البشرية في عذابها. أن يرى هل يمكن للحب أن يكون أقوى من الإيمان.”
“وما الجواب؟” سألته.
نظر إلى الصليب مرة أخرى، وشعر بأن المسيح المصلوب ينظر إليه بعينين مليئتين بالرحمة والحزن.
“الجواب، يا ماريا، أن الحب والإيمان ليسا أعداء. الحب هو الإيمان، والإيمان هو الحب. لكن الإنسان ضعيف… والإنسان يحول كل شيء جميل إلى عذاب وعقد.”
وقفت، وكأنها اتخذت قراراً. “سأغادر الدير.”
“لا!” وقف بسرعة. “لا تفعلي ذلك. لا تجعليني السبب في ابتعادك عن الله.”
“لكن كيف يمكنني أن أبقى وأنا أحبك؟ كيف يمكنني أن أصلي وقلبي مليء بك؟”
أخذ يديها بين يديه، وللحظة شعر بأن الجنة والجحيم قد اجتمعا في لمسة واحدة.
“نحن نختار الحب الأصعب”، قال بصوت حازم. “نحب الله أكثر من أنفسنا، نحب الله أكثر من حبنا. نحول هذا العذاب إلى قرباناً، ونحول هذا الحب إلى صلاة.”
نظرت إليه بعينين مليئتين بالإعجاب والحزن. “وهل هذا ممكن؟”
“لا أعرف”، أجاب بصدق. “لكن هذا كل ما لدينا. أن نحاول أن نكون أكبر من أنفسنا، أن نحب حباً لا يملك ولا يُملك.”
منذ ذلك اليوم، استمر إيفان في خدمته، كما لو أن شيئاً لم يحدث. لكن الكنيسة أصبحت مختلفة في عينيه. لم تعد مجرد مكان للعبادة، بل سجناً  وممراً بين الأرض والسماء. كان يصلي، لكن صلاته لم تعد نفسها. كانت تحتوي على اسم لم يعد يجرؤ على نطقه، حتى في نفسه.
وكان الناس يقولون إنه قد ازداد تقوى، بينما هو فقط كان يتألم بصمت.
ماريا، من جانبها، واصلت حياتها في الدير، ولكن في زاوية مختلفة، وفي صمت مختلف. لم تعد تصلي بنفس الطريقة. لم تعد تسأل عن الخطيئة، بل عن المعنى. عن لماذا يزرع الله في القلب ما لا يسمح له بالنمو؟
في أحد الأيام، وجدوا إيفان ميتاًأمام المذبح، بيده كتاب الأنجيل مفتوحاً في صفحة كلها كلمات عن “المحبة”. لم يكن هناك شيء غريب في موته، سوى أن ابتسامة خفيفة كانت تعلو شفتيه، لأول مرة منذ سنين.
بعد أيام قليلة، اختفت ماريا.
قالوا إنها هربت. وقال آخرون إنها انطلقت في رحلة بلا عودة. أما البعض، فاختار أن يعتقد أنها ذهبت حيث يمكنها أن تحب بحرية، دون أن تخشى من الله أو من نفسها.
لكن الحقيقة… ظلت غامضة، كما لو أنها كانت سرًا لن يُكشف أبدًا.

 
 
 
 
188
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل