مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

التطبيع،التباسات فلسطينية: آمال المثلوثي ونادي الوحدات - جواد بولس

5.00 - (2 تقييمات)
نشرت
695
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

التطبيع،التباسات فلسطينية: آمال المثلوثي ونادي الوحدات  - جواد بولس

ما زالت تداعيات حدثين محليين تلاحقنا وتثير بيننا مجددا عناصر الالتباس حيال مسألة تحريم التطبيع الثقافي مع اسرائيل؛ فالحدث الأول تمحور حول الانتقادات الشديدة التي رافقت زيارة الفنانة التونسية آمال المثلوثي إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، واصرارها على احياء عدة حفلات في مدينتي رام الله والقدس، بينما إضطرت، في النهاية، لالغاء حفلها في مدينة حيفا، خاضعة لضغوطات بعض الجهات التي تنادي بضرورة مقاطعة اسرائيل ثقافيًا. أما الحدث الثاني فيتعلق بنادي الوحدات الرياضي الاردني الذي أعلنت ادارته قبل أيام معدوده أن لديها "توجها بعدم المشاركة في مباراة ضد فريق شباب الاهلي الإماراتي في الملحق المؤهل لدوري أبطال أسيا لكرة القدم  لوجود شبهة تطبيعية"؛ والمقصود بهذه الشبهة هو مشاركة اللاعب الفلسطيني مؤنس دبور، ابن مدينة الناصرة، المحترف حاليا ضمن صفوف النادي الأهلي الاماراتي، حيث سبق له وشارك كلاعب دولي ضمن منتخب اسرائيل. لقد أرجأت ادارة نادي الوحدات حسم قرارها في آخر اجتماع لها، وذلك لبحث تفاصيل هذه المسألة "بطريقة فنية وتفصيلية أكثر"  كما جاء في الأخبار.  

ما زالت مسألة تحريم التطبيع مع اسرائيل تخضع "لعادات وموروث قبائل العرب" حيث لن نجد حولها اجماعًا عريضًا، من شأنه، لو وجد، أن يسهم في تحويلها الى قضية موحِّدة  ومؤثرة ؛ ونجد، في المقابل، أن بعض الفئات من النشطاء السياسيين الراديكاليين قد استغلوا الأوضاع العربية الراهنة وتدهور الحالة السياسية والاجتماعية في معظم الدول العربية والاسلامية، وغياب او ضعف مكانة الحركات الوطنية المركزية، وشل دور الصفوة والنخب واخمادها، وعيّنوا أنفسهم أوصياء على وضع المساطر التعريفية لمعاني التطبيع وقواعد تحريمه، ثم أعطوا لانفسهم الحق باصدار صكوك الغفران للناس أو دمغهم بختم المطبّعين، كما حصل في السنوات الأخيرة، عندما تدخلت هذه الفرق ولاحق زعماؤها فنانين ومثقفين جاءوا الى فلسطين للمشاهدة والتعلم وللتضامن.

تختص لجان مناهضة التطبيع مع اسرائيل في تحريم التطبيع الثقافي، بينما لا يلاحق القيمون عليها المطبّعين في المجالات والميادين الاخرى، وهي في الواقع الميادين الاخطر والاكثر تأثيرًا على مصير فلسطين وعلى مصالح شعوب الدول العربية. فأصول تحريم التطبيع بدأت سياسية وتبنتها علنيًا أنظمة الحكم في الدول العربية والاسلامية والعالمية الحليفة؛ وهذه المقاطعة السياسية استوجبت بالضرورة، لعقود طويلة، المقاطعة الاقتصادية لاسرائيل، أو الكيان الصهيوني، كما كانوا يدعونه، وكذلك المقاطعة العسكرية والامنية؛ ثم كانت المقاطعة الثقافية بمثابة تحصيل الحاصل ومثلها مقاطعة مؤسسات المجتمع المدني وجمعياته.

لم يعد هذا الواقع قائمًا؛ وجميعنا يعلم كيف ومتى انخلعت جميع السدود، ومتى سقطت قلاع المقاطعة، علنًا أو في السر، حتى أصبح ، على ما يبدو، التشبث بالمقاطعة الثقافية هو الخيار اليتيم المتاح والشعار الاسلم لمن يرفعونه ويتشددون بضرورة انفاذه؛ لأنه، بكل بساطة، يستهدف الافراد - من فنانين وكتاب وشعراء ومهنيين خاضعين لنقابات قادرة على محاسبتهم كالكفرة وكالمرتدين- ولا يتعاطى مع انظمة الحكم القوية أو المستبدة، ليست المطبعة مع اسرائيل وحسب، بل المتحالفة معها، ولا يتعاطى كذلك مع أصحاب رؤوس المال المتشابكين مع اقرانهم الاسرائيليين في الاسواق العالمية أو من خلال الشركات المتعددة الجنسيات أو  عن طريق عالم المصارف وغيرها من أدوات ادارة شؤون العالم ودوله. 

لا اعترض على حق من يعمل على جبهة معارضة التطبيع الثقافي مع اسرائيل أو يواجه بسببها المحاسبة، كما في حالة اللاعب مؤنس دبور وفريق الوحدات الاردني؛ لكنني، كما كتبت مرارًا في الماضي، أوكد مجددًا على ان هنالك اعتباطية قاسية احيانًا في نشاطات تلك اللجان وفي ملاحقاتهم لبعض الفنانين والادباء الذين يقررون المجيء لفلسطين للوقوف مع اهلها والتضامن معهم من على أرض الوجع والنزف ؛ فتلك اللجان تعلن أن نضالها موجه من اجل مصلحة فلسطين واهلها. واذا كان هذا هو الهدف، فلتكن مصلحة فلسطين واهلها هي المسطرة التي يجب أن تخضع لها قراراتهم وتقيّم بحسبها مآلاتها. لقد قرأت لوائح لجان المقاطعة وناقشت بعضها في الماضي؛ ومع احترامي لمن وضع نصوصها ومعاييرها، سواء عندنا في الداخل أو في فلسطين المحتلة أو في تونس أو في عمان، فهي مليئة بالشعارات أو بالتناقضات أو بالمعايير الملتبسة والقابلة للتأويل والمساءلة. لن أدخل في التفاصيل الآن، فالتطرق اليها سيدخلنا في متاهات لسنا بحاجة اليها. وبعيدا عن الشعارات والتنظير أنا أومن    بأن من يأتي خيامنا مناصرًا حقنا بدون قيد أو شرط أو بدون مداهنة لاسرائيل ولمؤسساتها، وداعيًا على الاحتلال وعلى جلاوزته وزارعًا الامل والجمر في رماد حرائقنا، وماسحًا الدمع بشغاف قلبه من عيون اطفالنا، لا يمكن أن نعتبره مطبّعًا وأن نزيله من قواميسنا؛ بل هو مناضل نظيف ونصير للحق، بالقول وبالفعل. هكذا كانت التونسية آمال المثلوثي التي جاءت القدس وفي صدرها انهار من لهفة وحب، وحملت في يمينها راية فلسطين وصوّبت سبابة يسراها نحو عين العدو ، وظللت سماءها بالندى وبالكوفية المرقّطة، وغنّت بحماسة وبشجن كما غنى الامام: "يا فلسطنية، وانا بدي اسافر حداكو ، ناري بايديّ وايديّ تنزل معاكو على راس الحية وتموت شريعة هولاكو .." فاهتز الشيخ والرمح والحجر.  

 لا أعرف من وضع النصوص الخاصة بتحريم التطبيع الثقافي مع اسرائيل، ، سواء في تونس او في فلسطين، لكنني على قناعة، اذا كان الهدف هو مصلحة فلسطين وشعبها فهذا ما حققته آمال التونسية بيننا، فلها من فلسطين واهلها كل الحب والتبجيل، مع أنني تأسفت لأنها آثرت ألا تحيي حفلها في مدينة حيفا؛ وحيفا، في هذه المقاربة الجميلة، هي اخت للقدس ورام الله.  ولكن هذه قصة اخرى قد نعود اليها.  

قبل خمسة أعوام نقل على لسان اللاعب محمد صلاح تصريح مفاده انه سيترك فريقه، ليفربول، اذا تعاقدت ادارته مع اللاعب مؤنس دبور، وكانت حجته وقتها نفس السبب الذي تطرقت اليه اليوم ادارة نادي الوحدات الاردني.  استطيع طبعا أن اتفهم تساؤلات اللاعب صلاح ، اذا فعلا حصلت حينها، واستطيع أن أتفهم ايضا تردد نادي الوحدات حيال مشاركة اللاعب دبور في منتخب اسرائيل لكرة القدم ورغبتهم في استيضاح بعض التفاصيل الفنية والتقنية ؛ لكنني لن اتفهم موقفهم اذا أفضى في النهاية الى مقاطعة دبور أو أي فريق يلعب فيه. لقد كتبت يومها رسالة مفتوحة لمحمد صلاح حاولت أن أبدد فيها شكوكه إزاءنا، نحن المواطنين الفلسطيين داخل اسرائيل، وإزاء هوية مؤنس دبور الفلسطينية الاسلامية؛ وحاولت كذلك أن اضيء أمامه ما خفي عن علمه، وان أوضح له ما جهله عن واقعنا المعقد والملتبس. ما قلته في حينه لمحمد صلاح ما زال جيدا اليوم ومناسبًا أكثر أمام الاخوة في نادي الوحدات لأنهم ابناء الجرح  الفلسطيني، وحراس التغريبة الفلسطينية التي حرسها على الضفة الأم، اهلنا نحن، ويحرسها اليوم نحن الباقون في حلق القدر. تجهل العرب قصتنا، نحن المنزرعون في وطننا، والجهل كان مطبوعًا في نفوس أشقائنا، أما انتم، يا اخوتنا في التراب، فيجب أن تعرفوا فصول الحكاية، كل الحكاية. ولعل النائب في البرلمان الاردني خليل عطية قد ذكّركم بها قبل أيام حين توجه اليكم من غيرته عليكم وعلى مصلحة القضية ناصحًا وقائلًا : "'شعرت بالقلق مثل غيري من الحريصين على مسيرة نادي الوحدات جراء التقارير التي تتحدث عن سيناريو مقاطعة المباريات مع فريق اماراتي بسبب وجود اللاعب الفلسطيني مؤنس دبور. وأربأ بالاخوة والاحبة في نادي الوحدات إثارة شبهات الجمهور بناءً على افتراضات تساوي بين الجلاد الصهيوني الاسرائيلي والضحية من ابناء شعبنا الفلسطيني .. ان اللاعب دبور فلسطيني عربي أبا عن جد ولا يمكن بحال من الاحوال خدمة العدو الاسرائيلي والاساءة لاهلنا من ابناء فلسطين المحتلة عام 1948 .. اللاعب مؤنس دبور مثل غيره "نجم فلسطيني" في قلب الكيان وله سمعة رياضية احترافية طيبة ومواقف وطنية مسجلة ومعروفة انتهت عند اعتزاله اللعب لصالح فرق العدو ووجوده على راس فريق عربي شقيق خدمة للمحترفين من ابناء شعبنا الفلسطيني .. " لقد وضع بيان النائب خليل عطية معظم النقاط على حروفها، وشدد في بيانه الشامل على تعقيدات واقع الشباب الفلسطيني داخل اسرائيل وعلى معضلات التناقض الهوياتي وتجاذباته الدائمة بين المواطنة والوطنية. ما كتبه النائب عطية مهم للغاية وفي توقيت مناسب، بينما من المؤسف والمزعج أن نقرأ موقف بعض المنظرين الذين كتبوا في مسألة التطبيع وحول حدود مواطنة مؤنس دبور ووطنيته الناقصة بسبب قبوله ان يكون لاعبًا في منتخب اسرائيل، وهم بأنفسهم يعملون في جمعيات ومؤسسات ومعاهد دراسات ممولة من جهات تصنّع التطبيع وحليفة لاسرائيل، وبعضهم يعتبرون من اقرب شركائها في التخطيط والتربص بالشعب الفلسطيني وبقضيته. انهم وكلاء التطبيع غير المباشر وبُناته الخطيرون. عنهم وعن نظرياتهم في التطبيع والتتبيع ساكتب.   

 لقد تعلمنا في فلسطين، بعد ان أضعنا حلم البرتقال وفككنا ضفائر عذارانا على باب خيمة، أن نكون واقعيين مثل رائحة الزعتر وان نصغي دائما لحدسنا، وأن نأخذ حذرنا من المزايدين والمغرضين والمتلفعين بالثقافة المبرهجة.   فاهلا بالتونسية والتحية للوحدات. 

 

695
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

تصنيف: 
جاري التحميل