• محبة المال - بقلم : عصام نسيب عودة 
محبة المال - بقلم : عصام نسيب عودة  

عندما نسمع هذه العبارة: "محبة المال" لا بد أن تتردد في أذهاننا تتمة الآية: "... أصل لكل الشرور، الذي إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة" (1 تي 6: 10)، كما وورد هذا المصطلح في سفر العبرانيين 13: 5، عندما قال بوحي الروح القدس: "لتكن سيرتكم خالية من محبة المال، كونوا مكتفين بما عندكم، لأنه قال لا أهملك ولا أتركك".

 

هذا الموضوع هو في غاية من الأهمية، وهو يشبه مرض الكبرياء، الذي قد يتفشى في حياتنا دون أن نشعر به، ومن هنا خطورته.

 

لذلك فمن الصعب أن نكتشف وضعيتنا فيما إذا كنا محبين للمال أم لا، وبنفس الوقت من الهام بمكان تشخيص وضعنا في هذا الصدد كي لا نكون "خادعين نفوسنا".

 

أولا من المهم أن ندرك مدى بشاعة هذه "المحبة"، حتى إنها أصل لكل شر في حياتنا ومن ثم لحياة الآخرين أيضا، ولذلك من المهم أيضا أن نتوخى حذرها وأن نصلي كي يحررنا الله منها ويحفظنا ألا ننزلق فيها.

 

لقد ورد ذكر "محبة المال" في العديد من الآيات الكتابية، نذكر أيضا منها ما قاله بولس الرسول لتيموثاوس، بحيث تتصدر "محبة المال" طليعة قائمة الأزمنة الصعبة التي تشهدها الأيام الأخيرة، بحيث يقول في 2 تي 3: 1-5:

 

"1 ولكن اعلم هذا انه في الايام الاخيرة ستاتي ازمنة صعبة، 2  لأن الناس يكونون محبين لانفسهم، محبين للمال، متعظمين، مستكبرين، مجدفين، غير طائعين لوالديهم، غير شاكرين، دنسين، 3  بلا حنو، بلا رضى، ثالبين، عديمي النزاهة، شرسين، غير محبين للصلاح، 4  خائنين، مقتحمين، متصلفين، محبين للذات دون محبة لله، 5  لهم صورة التقوى، ولكنهم منكرون قوتها. فاعرض عن هؤلاء.".

 

لقد كان يهوذا، أحد تلاميذ المسيح، محبا للمال، وبالتالي كان يحمل ما في الصندوق لخاصته، ومن المؤكّد أنه كان "يعلّل" ذلك بحجج وأسباب كثيرة كي يبرر سرقته ومحبته للمال، مثلا أن الصندوق كان عنده وكان مهتما بالأمور المالية للتلاميذ والرب، فهو "مستحق أجرته" (يوحنا 12: 6، 13: 29)، أو عندما احتج على سكب مريم للطيب على أرجل الرب بحجة أنه كان يمكن أن يُباع ويُعطى للفقراء (يوحنا 12: 1-8)، وهكذا كان يُسكت ضميره والذي من المؤكّد كان ينغزه بأنه يسرق أموال الرب، هذا الضمير الذي حدا به للانتحار في نهاية المطاف بعد أن أسلم المسيح للصلب.  

 

برأيي هناك علامتان رئيسيتان لتشخيص ومعرفة فيما إذا كنا فعلا "محبين للمال"، بدرجاته المتفاوتة، أم لا:

 

العلامة الأولى: "الاستهزاء" عند الحديث عن موضوع محبة المال:

 

ما المقصود ب"الاستهزاء" في هذا السياق؟ هل نستهزئ ونغتاظ ونغضب ونحتد، بدرجات متفاوتة، عند الحديث عن موضوع "محبة المال"، وأكبر مثال على ذلك هم الفريسيون الذين استهزأوا بالرب عند حديثه عن محبة المال، عندما تكلم الرب عن وكيل الظلم، ثم حذّرهم قائلا (لوقا 16: 11-13):

 

"11 فان لم تكونوا امناء في مال الظلم فمن يأتمنكم على الحق؟ 12  وان لم تكونوا امناء في ما هو للغير فمن يعطيكم ما هو لكم؟ 13  لا يقدر خادم ان يخدم سيدين لأنه اما ان يبغض الواحد ويحب الاخر او يلازم الواحد ويحتقر الاخر. لا تقدرون ان تخدموا الله والمال".

 

فما كان من الفريسيين إلا الاستهزاء، لأنهم محبون للمال كما يقول في الآية 14:

 

"14 وكان الفريسيون ايضا يسمعون هذا كله وهم محبون للمال فاستهزأوا به."

 

الفريسيون هم هم الذين صلبوا الرب، بمعونة يهوذا الاسخريوطي، والصفة المتشابهة بينهم: محبة المال، فما أصعبها من خطية.

 

العلامة الثانية: "انعدام أو قلة العطاء – العشور والتقدمة":

 

يقول في سفر ملاخي 3: 7-10 هذه الكلمات الواضحة:

 

"7 من ايام ابائكم حدتم عن فرائضي ولم تحفظوها. ارجعوا الي ارجع اليكم قال رب الجنود. فقلتم بماذا نرجع. 8  أيسلب الانسان الله. فإنكم سلبتموني. فقلتم بم سلبناك. في العشور والتقدمة. 9 قد لعنتم لعنا واياي انتم سالبون هذه الامة كلها. 10 هاتوا جميع العشور الى الخزنة ليكون في بيتي طعام وجربوني بهذا قال رب الجنود ان كنت لا افتح لكم كوى السموات وافيض عليكم بركة حتى لا توسع.".

 

والحديث هنا عن أناس تعرف الرب، أي بمفهوم أيامنا "مؤمنون بالمسيح". إن مصدر قلة أو عدم العشور والتقدمة ما هو إلا محبة المال، ولذلك وضع الرب هذا القانون أو الوصية بتقديم العشور والتقدمة، وليس كتوصية أو نصيحة إنما وصية واضحة وحازمة، وهي بمثابة أن أضع أموالي على مذبح المسيح وأصلب محبة المال في حياتي، وبالتالي أوصى الله بالعشور والتقدمة، كما وأكمل بولس الرسول الوصية بأنه ينبغي أن نعطي بسرور من القلب وليس بتردد أو بحزن، بقوله: "المعطي المسرور يحبه الله" (2 كو 9: 7)، وكما أوصى الرب يسوع على فم بولس الرسول قائلا: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 20: 35).

 

العطاء، الذي يشمل العشور والتقدمة، هو بالمال وأيضا بحياة الكرم واستضافة الغرباء وفتح بيوتنا للإخوة والأصدقاء والفقراء والمحتاجين، الذين لا نتوقع أن يكرمونا بالمقابل، عملا بقول المسيح في إنجيل لوقا 6: 33، 35:

 

"وإذا احسنتم الى الذين يحسنون اليكم فاي فضل لكم؟ فان الخطاة ايضا يفعلون هكذا... بل احبوا اعداءكم واحسنوا واقرضوا وانتم لا ترجون شيئا فيكون اجركم عظيما وتكونوا بني العلي فانه منعم على غير الشاكرين والاشرار".

 

موضوع إضافة الغرباء، وكم بالحري الإخوة والأصدقاء، هو جزء لا يتجزأ من التقدمة والعطاء بسرور، كما كان إبراهيم مضيفا للغرباء، فاستضاف في بيته ثلاثة رجال، أطعمهم وسقاهم وأكرمهم، ثم تبين أن هؤلاء هم ملائكة الذين أنبأوا وبشروا بولادة اسحق (تكوين 18)، وكذلك يوصينا كاتب العبرانيين قائلا: "لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون" (عب 13: 2).

 

هذا هو الوقت كي نفحص أنفسنا أين نحن من هذه "المحبة" الغريبة والتي حذر منها الكتاب كثيرا: محبة المال، تحت مجهر آيات الكتاب المقدس والعاملَين المذكورَين، والتي هي أدوات ربما تساعد على تشخيص وضعنا للسعي نحو حياة أفضل في رضى الرب ومخافته.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع "تعال وانظر" هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة رأي هيئة التحرير في الموقع