مشاركة فيديوهات ومقالات بالعربية

جليليون (2): الصَّبورُ - جاسر داود

0.00 - (0 تقييمات)
نشرت
505
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

جليليون (2): الصَّبورُ - جاسر داود

رغم المصائب والمشاكل الإجتماعية التي جابهته خلال سنوات حياته الأخيرة، وبعد أن وهن العظم والجسم، إلاّ أنه لم يفقد الأمل والإيمان برأفته تعالى ورحمته وحمايته، لأن مسار حياته كان مليئاً بخدمة الناس وخاصة سكان بلدته. عاش طفولته التي لا يحسَده عليها أحد، مما دفعه وجعله أن يكون عصامياً ويتكل على نفسه في بناء المسار والتصرف في حياته، فبنى نفسه بنفسه، تزوّج ومنحه الله الخلف الصالح والمطيع له. عمل في الفلاحة واستصلاح الأرض، وعاش وأحسّ وشعر مع الفلاحين الذين كدّوا وتعبوا في عمل الفلاحة والزراعة، وكان يقوم بتقديم المشورة لهم في الزراعة البعلية، والتي اعتمد عليها غالبية الفلاحين في بلدته، وهي زراعة التبغ (الدُّخان- بلغة الفلاحين الشعبية).

كان يساعد الفلاحين وشركة الدخّان، التي كانت تأخذ وتشتري المحصول أو المنتوج من الدخّان من فلاحي بلدته والبلدات المحيطة ببلدته. كان همّ المسؤولين في هذه الشركة، أن تحصل على منتوج الدخان بأسعار منخفضة بحججٍ تافهة وغير صحيحة، فكانوا يقومون بفحص الدخّان عن طريق فحص " بالة" واحدة أو اثنتين من " بالات الدخان " ( البالة عبارة عن مجموعة أو كمية من ورق الدخان بعد تنشيفها تحت حرارة الشمس، يلفّونها بقطعة من" الخِيش " وتكون بشكل مربّع أو مستطيل). بعد الفحص إذا وجدوا شيئاً غير حسن أو غير جيّد في ورق أو بعض ورق الدخان، كانوا يقررون بأن كل منتوج الدخان غير صالح مئة بالمئة، وهكذا كان الفلاح صاحب هذا المنتوج من التبغ يُحرَم من ثمن عالٍ مقابل هذا المنتوج، وهنا ينطبق المثل الشعبي القائل: (حاكمَك ظالمَك لمين تِشكي همَّك).

وهكذا فعلت غالبية الشركات التي كانت تستورد منتوج الزراعة العربية مثل: الخيار، البندورة الصناعية، شمندر السكّر، السلَري والخس الصيني (في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي). كان هذا العصامي يهبُّ ويعترض على قرارات المسؤولين والفاحصين، وعندها كان يطلب منهم فحص كل بالة وبالة، حتى يتأكدوا بأن العَطَب غير موجود في كل البالات، لكنّهم على الغالب كانوا يرفضون لأن هذا سيؤخرهم جداً بالعمل، وهم يريدون إنهاء فحص الدخّان بسرعة كي ينقلوه بسياراتهم الى شركات الدخّان، لهذا كانوا يتوصلون الى حلّ وسط على الغالب مع هذا العصامي. والجدير بالذكر أن بعض الفلاحين إن لم يكن غالبيتهم، كانوا يضعون البالات داخل بيوتهم أشهر حتى يحضر مندوبو الشركات، وهذا كان يؤثر على المنتوج، لأن البرودة إذا دخلت أشهر الشتاء وما زالت بالات الدخّان في بيوت الفلاحين، ستؤدي الى عطب في بعض أوراق الدخّان، مما يؤدي أو يدفع بالمسؤولين الى إدعاءات بأن الدخّان غير جيّد.

وكانت الشركات المشترية للدخّان تتأخّر في الكثير من الأحيان بحجج واهية وغير صادقة، كي يعطب بعض المنتوج من الدخّان، عندها تشتريه بأسعار منخفضة.  لم يكن هذا العصامي ليظلم الفلاحين أبناء جلدته، فكيف له هذا وهو فلاّح أباً عن جدٍّ؟!!!  فأفراد عائلته يعملون كما يعمل بقية أفراد القرية بالفلاحة والزراعة التي هي مصدر معيشتهم. كما وكان يساعد الفلاحين بأن يقوم بزراعة شتل الدخّان  وبيعه للفلاحين بأسعار رمزية، لأنه لا يستطيع كل فلاّح أن يزرع أشتال أو شتل الدخان ويُتقن زراعتها والاعتناء بها.

كان وجيهاً، يقوم بأعمال الخير بين الناس داخل بلدته وخارجها، فتراه وتسمعه يتحدّث بلباقة وبضمير حيّ محاولاً تخفيف حدّة الخلاف بين طرفي النزاع مهما كان سببه أو شكله، لا يتحيّز لهذا الطرف أو ذاك، يساند زملائه في جاهات الصلح والوفاق والتوفيق بين الناس، ويُدلي برأيه بصدق وبدون محاباة لهذا الطرف أو ذاك. يلبس اللباس العربي الكامل منذ أيام رجولته، لا يخجل به، بل كان وما زال يعدّه لبس وقار واحترام " فالحطّة والعقال والقمباز والشروال " لها جذورها وأصلها وأصالتها في مجتمعنا العربي الفلسطيني في هذه الديار.

كان له دور في إشغال وظيفة رجل سياسة محلي، فهو اليوم آخر عضو في المجلس القروي الذي أقيم في قريته زمن الإنتداب البريطاني- الله يمدّ في عمره – فكل بقية الأعضاء بما فيهم الرئيس آنذاك قد رحلوا الى الحياة الأبدية - لهم الرحمة هذا العمل السياسي المحلي لم يمنعه من مساعدة جميع الفلاحين دون تفرقة، ولم يكن أساس قائمته السياسي ببلدته منطلقا – كاليوم – لمساعدة قسم من الناس من سكان بلدته، وخاصة الذين أيّدوه والابتعاد عن مساعدة الآخرين، إذ لم تكن هذه المعادلة لتأخذ مكاناً في قاموسه العملي اليومي، بل كان يقول: كلّهم فلاحون مثلي، وما أواجهه من مشاكل ومتاعب إقتصادية ومالية هم يُواجهونها.  نعم، انّه الإنتماء البلدي الذي نفتقد إليه اليوم في قرانا وبلداتنا العربية، لأن المصلحة الشخصية والركض وراء الشيكل والدولار الأخضر الذي أصبح " معبوداً " لدى الكثيرين من أبناء بلداتنا العربية، هي التي أدّت اليوم الى الشعور بعدم الإنتماء البلدي. لهذا لم يعُد قلب الفلاح على مصلحة أخيه الفلاح الآخر، ولم تعُد ترى اليوم ما كان يراه الفلاحون من قبل، وهو مساعدة الفلاح لجاره الفلاح أو غير جاره. نعم، كان عنصر المساعدة والغيرة على بعضهم البعض هو السائد بين غالبية سكان بلدته والبلدات العربية الأخرى. 

كان هذا العصامي إن جلس في مجلسٍ كان له حضوره ودوره في التحدّث والتكلّم أو الكلام، فتراه أو تسمعه يتحدّث بلباقة وبصراحة وموضوعية لا تزييف أو          " توِجْهِن " في الحديث.

 التغيّرات الإجتماعية التي طرأت على المجتمع في بلدته لم يتأثّر بها، بل بقي هو هو، وهذا النمط في الحياة أورثه وما زال لأولاده وأحفاده، بالرغم من كل المآسي والمصائب التي " وقعَت فوق رأسه " (باللغة العربية الشعبية) في سنوات عمره الأخيرة، ومنها فقدان بعض فلذات أكباده في ظروف تراجيدية، إلاّ أنّك تشاهده قوياً صبوراً مما جعل أو حتّمَ على الكثيرين ممّن عرفوه أن يحترموه ويُقدّروا مواقفه الشجاعة، لم ينحَنِ للشيطان، ولم يفقد الصبر والإيمان والتشبث بتعاليم رسوله يسوع المسيح، وأساسها التسامح والصفح للغير، فكان يقول: ذرة من الإيمان تعطيك القوة  والغلبة على الشيطان ووسوساته، لم يلتفت الى همسات البعض من سكان بلدته، فبدلاً من أن يقفوا الى جانبه، كانوا يتحدثون عن المصائب التي حلّت به وكأنها يجب أن تحل به أو عليه، أي عنصر الشماتة لعب دوره في تفكير هؤلاء "الشامتين"   ضاربين بعرض الحائط تعاليم الديانات السماوية المنادية بالوقوف الى جانب المُصاب، لأنه لا انسان مُحَصّنٌ ضد المصائب، فالشِيَم والأخلاق العربية لا تسمح لنا بالشماتة بل تنادينا الى مساندة الغير، فكم بالحري إن كان هذا ابن ملّتك وجلدتك وقومك العربي الفلسطيني؟!!                     

هؤلاء نسوْا ما كان يفعله هذا " الصبور " العصامي لهم وهو في عزّ شبابه وعمر قوته الجسدية !!  نسوْا الأيام والليالي التي قضاها هذا " الصبور " وهو يتجوّل بين أراضيهم المزروعة بِ " الدخّان " يُسدي لهذا وذاك من فلاّحي بلدته نصائحه حول كيفية التعامل مع المزروعات هذه، كي تنمو وتُعطي الثمر والإنتاج الكثير والجيّد.

أقول هذا، لأنّ هذا الصبور هو مثله مثل الكثيرين من أمثاله في مجتمعنا العربي الفلسطيني في هذه الديار، ساعد الكثيرين في أيام الإحتلال لبلدته سنة 1948م، والذين ساعدهم منهم ما زالوا على قيد الحياة، وما زالوا يقدّرون ما فعله معهم. لهذا كان من الواجب على الذين رحلوا عن الحياة الأرضية الفانية، أن يسردوا لأبنائهم ما فعله معهم هذا الصبور من حسنات، كي لا يقفوا وقفة المتفرّج عند الحاجة لمدّ يد العون له أو الوقوف الى جانبه معنوياً، كي يبقى صامداً أمام نوائب ومصائب الدهر، وهو الذي لا يَدَعُ للزمن أن يقهره.  ما زال حتى سنّه هذا والذي يقترب من المائة(العمر كلّه) يمدّ يدَ العون والمساعدة والمساهمة في أعمال الخير ببلدته، إذ يتوجّه البعض لأولاده لمدّ يد المساعدة والعون لمشروع خيري، فتراه بيده يُشير لأولاده:  أعطوا أعطوا أعطوا. نعم، هذا ما أعرفه عن قرب من أولاده.

حبذا لو لا ننسى فضل الله علينا، وإنْ كان هذا الصبور رجلاً معطاءً، فإنه يعطي بحسب إيمانه وتربيته التي ورثها عن آبائه وأجداده، كما وان أساس الإنتماء البلدي لعب وما زال يلعب دوراً مهماً في حياته وحياة أبنائه، فتراهم يشاركون أبناء وبنات بلدتهم المناسبات الإجتماعية المختلفة، يفرحون لفرح الغير، ويشاركون ويشاطرون المحزونين أحزانهم، فهم لا يعملون بحسب معاملة البعض لوالدهم، لأنهم وكما تقول إحدى بناته: إحنا بنعمل كيف تربينا وربّونا أهلنا، والناس حُرّين بتصرفاتهم، والله يهدي الجميع الى عمل الخير.

فليعطِ الله الصحّة والعافية لهذا " الصبور" المُنتمي لأبناء بلدته وشعبه العربي في هذه الديار، ولنكن شاكرين بحقٍّ لكلّ انسان يُسدي لنا النصائح الصادقة والنابعة من الغيرة على مصلحتنا كأبناء هذا الشعب العربي الفلسطيني في هذه الديار، الذي يناضل من أجل لقمة العيش الكريمة والبقاء كلٌّ في بلدته وفوق ترابها المقدس، كي نحافظ على مجتمع سليم وعادات مقدِّمة ودافعة الى الأمام لا هدّامة لنا ولمجتمعنا العربي الفلسطيني في هذه البلاد. 

505
مشاهدات
0
تعليق

ابلاغ Report

جاري التحميل